تلعب وسائل الإعلام دوراً لا غنى عنه في حياة الشعوب، بل إنها أصبحت من الظواهر التي ميزت حياتنا المعاصرة.. ومن الصعوبة أن يمر يوم دون أن يطلع الفرد على وسيلة أو أكثر من وسائل الإعلام، كونها تنقلنا من عالمنا المحدود إلى عالم أوسع وأكبر، سواء من خلال الكلمة المقروءة أو من خلال هذا الصندوق السحري الذي يحوي العجائب.
وقد نتج عن هذا الحضور الطاغي لوسائل الإعلام في حياتنا، أننا أصبحنا نعيش عصر الصورة والكلمة.. هذا العصر الذي خولها القدرة على تحديد طبيعة القضايا اليومية التي يفكر فيها الجمهور، فقد يحدث أن يزداد اهتمامنا ببعض القضايا والأحداث، لمجرد أن تكرر تناولها في وسائل الإعلام، بدءاً من تناول شاي الصباح حتى الخلود إلى النوم.
ولا شك أن هذا الفضاء الفسيح الذي فتحت لنا وسائل الإعلام نوافذه، لنرى العالم من حولنا ونرى أنفسنا في عيون العالم، ساعد على رفع سقف المسموح به، وحطم الكثير من المحظورات الإعلامية، في الوقت الذي أحدث فيه ثورة من التطلعات لدى البسطاء في عالمنا العربي، أعقبتها ثورة من الإحباطات نتيجة لعوامل متعددة.
من ناحية أخرى، فإن عدم وجود إطار كاف لضوابط الممارسة الإعلامية في الواقع المهني، أدى إلى حدوث ممارسات غير مسؤولة من ناحية الشكل والمضمون.
مما دفع البعض إلى التساؤل هل أفادت هذه الوسائل مجتمعاتنا العربية وساهمت في تنميتها كما كان مأمولا، أم أنها جاءت كمعول هدم للقيم والأخلاقيات؟ هل ساعدت على تأصيل هويتنا وثقافتنا وتراثنا في نفوس الأجيال القادمة، أم أنها أصبحت كالسوس الذي ينخر في عظام الأمة ويسلبها أعز ما تملك؟
الحق أن الكثير من الإخفاقات التي يعاني منها إعلامنا العربي، ترجع في كثير من جوانبها إلى افتقاده الرؤية المحددة لطبيعة الأدوار التي يجب عليه القيام بها، وغياب المرجعية الفكرية المحددة لثوابته المهنية، ووقوعه أسيرا لمدارس إعلامية قد لا تصلح مخرجاتها في كل الأحوال للتطبيق في عالمنا العربي، فضلا عن جوانب الخلل في المجتمعات التي نشأت فيها.
فالفكر الليبرالي أنتج إعلاما يتعامل مع أفراد جمهوره باعتبارهم زبائن يسعى دائما لإرضائهم وإعطائهم ما يريدونه لا ما يحتاجونه..
والفرق كبير بين اعتبار الفرد زبونا وبين اعتباره مواطنا له حقوق.. مما بشر بظهور الصحافة الصفراء، بمضامينها التي تبحث عن الإثارة والتسلية وغير المألوف، في غياب تام لدورها التثقيفي والتنويري.
ولجأت إلى أسلوب التهويل والتضخيم، رغبة منها في زيادة التوزيع والحصول على قاعدة أكبر من القراء، ولو كان ذلك على حساب إظهار الحقيقة وثوابت المجتمع.
وعبدت الحرية المطلقة من كل قيود وضوابط، مما أوقعها في أسر المصالح الخاصة لبعض الأفراد واللوبيات، علاوة على التكتلات الإعلامية التي جعلت الحديث عن تعدد الأصوات في الإعلام الغربي محل شك كبير.
نتجت عن الممارسات السابقة، دعوات بأهمية المسؤولية الاجتماعية في الإعلام، التي ترفض الفردية المطلقة، وتسعى للموازنة بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع، وأن تكون لوسائل الإعلام وظيفة اجتماعية.
تتمثل في تقديم المعلومات بصرف النظر عن كونها مثيرة من عدمه، وأن يقوم الإعلامي بأداء رسالته بصدق وإخلاص مبتغيا الصالح العام، يدفعه إلى ذلك التزام أخلاقي يستهدف إقامة توازن بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع.
وهنا أؤكد أننا بحاجة إلى رؤية إعلامية عربية، ناتجة عن بناء فكري نابع من ظروف مجتمعاتنا، تأخذ قيمنا وعاداتنا وتراثنا الحضاري بعين الاعتبار، دون الدخول في معارك فكرية مستمرة تتوقف عند مناقشة أي من النماذج الغربية نختار وإلى أي منها ننحاز!
نحتاج إلى ممارسات مهنية لا تسعى إلى إشباع رغبات الجماهير، بل تقدم لهم ما يريدون وما يحتاجون. تعي الدور الذي يجب أن تقوم به وسائل الإعلام في بلادنا، التي تسعى إلى الارتقاء في دروب التنمية..
لا تعظم الجانب الترفيهي على حساب باقي الجوانب، ولا تهتم بالإثارة وتضحي بسمعة الفرد وحقه في الخصوصية. ممارسات لا تسعى للسبق على حساب المصداقية، ولا إلى تحقيق الأرباح على حساب الأخلاقيات..
تنتقد ولا تجرح، تخاطب العقول ولا تداعب الغرائز، لا تعامل الجمهور كزبائن غايتها كسبهم مهما كانت الوسيلة إلى ذلك، بل كمواطنين لهم حقوق..
ممارسات لا تهدف إلى قرع طبول الحروب وتأجيج الصراعات العرقية أو المذهبية، لأهداف شخصية أو مؤثرات خارجية، وتؤمن بالحرية في أدائها، لكنها حرية مسؤولة.. فلا حرية من دون مسؤولية.
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا