للقومية العربية معنيان، من المفيد أن نميز بينهما. فقد يستخدم تعبير القومية العربية للإشارة إلى العناصر والروابط المشتركة التي تجمع بين أفراد أو شعوب الأمة العربية، والشعور بالولاء الناتج عن هذه العناصر المشتركة.
ولكن تعبير القومية العربية يستخدم أيضاً بمعنى الحركة أو النشاط الذي يبذل عمداً وعن وعي، لتحقيق ما فيه مصلحة هذه الأمة، وعلى الأخص العمل على توحيدها أو استقلالها.
والقومية العربية اليوم في محنة، بكلا المعنيين؛ الرابطة والولاء آخذان في الضعف والتدهور، والحركة والنشاط بهدف مقاومة هذا التدهور أو بهدف توحيد أجزاء الأمة الممزقة، هما أيضاً في خمول شديد وآخذان في التراجع.
والضعف في الناحيتين يغذي أحدهما الآخر؛ فالضعف الذي يصيب الشعور بالولاء يزيد حركة التوحيد ضعفاً على ضعف، وما يصيب حركة التوحيد من ضعف يغري أفراد الأمة بالتمرد عليها، يأساً وقنوطاً.
إن استرجاع تاريخ القومية العربية خلال الخمسين عاماً الماضية، لا بد أن يقوي شعورنا بالقنوط. فبعد فترة من الازدهار في الخمسينات والستينات، وعلى الأخص بين منتصف الخمسينات ومنتصف الستينات.
سواء من حيث ازدياد قوة الشعور بالولاء، أو ارتفاع درجة النشاط من أجل تحقيق الوحدة والاستقلال، أصيبت القومية العربية بضربات في النصف الثاني من الستينات، ثم توالت عليها الضربات من كل اتجاه طوال الأربعين عاماً التالية.
حتى كادت الدعوة إلى الوحدة، بأي صورة من الصور، تختفي من جداول أعمال السياسيين العرب وخطبهم على السواء، حتى أصبحت المقارنة بين مشاعر شبابنا اليوم نحو هدف الوحدة، وبين مشاعر جيلي عندما كنا في مثل عمرهم، داعية للأسى والدهشة في نفس الوقت.
ولكني أريد أن أزعم أن قراءة تاريخ القومية العربية في فترة أطول من خمسين عاماً، أي خلال قرنين كاملين، يمكن أن تخفف من هذا الشعور بالقنوط، إذ قد يستخلص من هذه القراءة أن القومية العربية، بكلا المعنيين، تمر بدورات من الازدهار ثم الضعف، ولا تسير بالضرورة، لا في تقدم مستمر ولا انحدار مستمر.
إذا كان الأمر كذلك حقاً، فإن من المهم أن نفهم بالضبط عوامل الازدهار وعوامل الانحسار، عسى أن يكون في مقدورنا وقف التدهور الراهن، وإعادة الحيوية من جديد للشعور بالولاء لهذه الأمة، وللحركة الهادفة إلى توحيدها.
مرّت القومية العربية خلال القرنين الماضيين بثلاث مراحل باهرة من الازدهار، تلتها ثلاث مراحل من التدهور. كانت المرحلة الأولى في العقدين الثاني والثالث من القرن التاسع عشر، ولعب الدور الناصع فيها، والي مصر محمد علي وابنه الفذ إبراهيم.
كان محمد علي يطمح بلا شك إلى إقامة إمبراطورية عربية، فنجح في فتح السودان وضمها إلى مصر في 1821، واستمر ذلك ثلاثين عاماً حتى وفاة محمد علي في 9481. وفتح ابنه إبراهيم بلاد الشام، فانضمت بدورها إلى حكم محمد علي في ما بين 1832 و1840.
وتحالف محمد علي مع الأمير بشير في لبنان، الذي حكم لبنان نحو خمسين عاماً حتى سقط مع محمد علي في 1840. ودان الحجاز لمحمد علي بالولاء إلى أن ضرب محمد علي في 1840.
دخلت حركة التوحيد العربي في حالة انحسار طوال الربع الثالث من القرن التاسع عشر، ثم التهبت المشاعر من جديد ونشطت حركة المناداة بالتوحيد في العقدين الأخيرين من القرن وخلال الحرب العالمية الأولى، فتعددت منذ 1875 الجمعيات السرية والعلنية التي تنادي بالاستقلال للعرب وبإحياء حضارتهم، وتحقيق وحدتهم.
وساهم في هذه الدعوة كتّاب ومفكرون مسلمون ومسيحيون، كعبدالرحمن الكواكبي ونجيب عزوري، حتى تحولت الدعوة إلى ثورة ضد الإمبراطورية العثمانية قادها الحسين بن علي والي مكة.
ثم ضربت الفكرة والحركة والثورة العربية ضربة قاصمة، كما هو معروف، بخيانة الحلفاء لوعودهم، وقيامهم بتقسيم غنائمهم العربية بين بريطانيا وفرنسا. وانشغلت دول المشرق العربي، طوال فترة ما بين الحربين، كما انشغلت مصر بهدف تحقيق الجلاء، عن أي هدف يتعلق بفكرة العروبة.
دبت الحياة من جديد في الشعور القومي وحركة القومية العربية، في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين الماضي، وساهمت في إذكاء هذا الشعور كتابات ساطع الحصري، وحركة القوميين العرب ومنهم قسطنطين زريق، وكذلك حزب البعث.
واقترن هذا الانتعاش في الفكرة القومية بتتابع الثورات والانقلابات في دولة عربية بعد أخرى، وبإعلان كثير من هذه الثورات والانقلابات إيمانها بالوحدة العربية، بل ونجح بعضها في تحقيق أشكال مصغرة من الوحدة، على أمل أن تتسع في المستقبل فتشمل الدول العربية كلها.
وكان أكثر صور التوحيد نجاحاً وطموحاً اتحاد مصر وسوريا في 1958، حين تكونت الجمهورية العربية المتحدة، على أمل أن تكون نواة لوحدة عربية تزداد اتساعاً.
ثم أصاب الحركة القومية الانتكاس من جديد، وتلقت ضربات متتالية، من انفصال سوريا عن مصر في 1961، ثم فشل محادثات الوحدة التي تجددت في 1963 بين سوريا ومصر والسودان، واشتداد هجوم الدول العربية المسماة ب«المحافظة» على الدول العربية المسماة ب«الثورية».
وزيادة التباعد والجفوة بين الفريقين، حتى أصيب الجميع بضربة قاصمة في 1967، عانى منها الثوريون والمحافظون على السواء، كما أصابت في الصميم حركة القومية والتوحيد العربية، وأضعفت بشدة الشعور بالانتماء والولاء لأمة عربية كبيرة، نتيجة للضعف الذي أصاب الأمل في تحقيق أي هدف من الأهداف القومية الكبرى.
ومازال هذا الضعف في حركة القومية العربية وفي الولاء القومي سائداً حتى اليوم، ما طبع بالإحباط والقنوط أي تفكير يتعلق بمستقبل القومية العربية.
كاتب ومفكر مصري
