يتنبأ معظم المراقبين بأن الأغلبية اليمينية في المحكمة العليا الأميركية المنقسمة سوف تنقض مئات القوانين المحلية وعقوداً من السوابق القانونية ،لتحرم المدن من حق تنظيم ملكية السلاح على صعيد محلي.

وبينما تبدأ المرافعات أمام المحكمة في قضية مكدونالدز ضد مدينة شيكاغو، على القضاة بشكل خاص ـ والأميركيين عموماً ـ ان يتوقفوا لوهلة لإعادة النظر في الأمر.

قتلت هجمات القاعدة في 11 سبتمبر أكثر من 3000 شخص. وكان ردنا على ذلك كأمة واحدة بأن خصصنا مليارات الدولارات لإنشاء وزارة الأمن الداخلي، ومررنا قانون مكافحة الإرهاب، وقمنا بشن حربين كبيرتين.

وفي المقابل، يموت كل عام في أميركا 30 ألف شخص بسبب العنف بالأسلحة النارية. فما هو ردّنا على ذلك؟

القضاة اليمينيون في المحكمة العليا يدوسون على السوابق القانونية، وينقضون القوانين، ويشوهون معنى قانون حقوق ملكية السلاح، زاعمين بأن الآباء المؤسسين قصدوا من وراء القانون إعطاء الأفراد حق حمل السلاح.

ولنضع جانباً دجل القضاة المحافظين الزاعمين بأنهم بؤمنون بدور الكوابح القانونية، في وقت تبدو فيه عصابة الأعضاء اليمينيين الخمسة في المحكمة مصممة على دفع أجندتها الأيديولوجية قدما، مهما كلف الأمر.

السؤال الأهم والأكبر هو: أي نوع من البلدان نحن؟لقد أصبحنا مدمنين على العنف. قواتنا المسلحة تحكم علاقاتنا بالعالم. ونحن ننفق الآن على قواتنا المسلحة بقدر ما تنفقه بقية دول العالم مجتمعة.

وذلك الجزء من الميزانية آخذ الارتفاع، حتى في وقت تتداعى الجسور والطرقات وشبكات الصرف الصحي وأجزاء أخرى من بنيتنا التحتية، بسبب التلف الناتج عن التقادم.

وفي أميركا، يمجّد العنف، ويصور بشكل بطولي في الأفلام والتلفزيون. الرياضيون المحترفون يجلبون معهم أسلحة إلى الملاعب، ويضعونها في خزن ملابسهم أثناء التدريب. نجوم الراب يسقطون قتلى في الاشتباكات بالأسلحة النارية.

ألعاب الفيديو الرائجة في بلدنا مليئة بالعنف. الأميركيون الأفارقة واللاتينيون يصورون دائماً على شاشات التلفزيون كأشخاص أكثر عنفاً من بقية المجتمع. برامجنا الأخبارية تدار على مبدأ «كلما ازدادت الدماء، ازداد عدد المشاهدين».

الكثير من المشاركين المتحمسين في التظاهرات الشعبية يلوحون بأسلحتهم عنوة، ويهددون بارتكاب أعمال عنف ويذكرون اسم الرئيس أوباما بشكل خاص في تهديداتهم.

ومن جانبها، تضغط الجمعية الوطنية للبنادق، والتي يفترض ان تكون منظمة للصيادين، من أجل تشريع حمل الأسلحة بشكل مخفي ـ حتى إلى داخل الملاعب. ومن المؤسف أن إدارة أوباما قد تنازلت لجمعية البنادق، مساهمة في تشريع حمل الأسلحة في المتنزهات الوطنية وعلى متن القطارات.

وهكذا ضغطت الجمعية على الكونغرس لتضمن ان يولد قانون حظر الأسلحة الهجومية ميتاً. نحن نستخف بقوة اللاعنف. في الواقع، ان مقياس الحضارة برمتّها، قائم إلى درجة كبيرة، على النظام المدني.

والمفارقة هنا ان التغيرات الإيجابية التي حولت العالم جاء معظمها من اللاعنف. فالحرب العالمية الأولى أدت فقط إلى الحرب العالمية الثانية. والحرب العالمية الثانية أدّت إلى المعسكرين المسحلين في الحرب الباردة.

لكن أنصار حقوق المرأة لم يحتاجوا إلى أسلحة ليظفروا بحق الاقتراع للمرأة في الولايات المتحدة. والدكتور مارتن لوثر كينج لم يحتج إلى أسلحة ليسقط جدار الانقسامات العرقية والاجتماعية والثقافية بين الجنوب الأميركي وبقية البلد.

وغاندي لم يكن بحاجة إلى أسلحة ليحرر الهند. وعندما سقط جدار برلين، لم يلوح المتظاهرون ببنادقهم الرشاشة، بل كانوا ينشدون «النصر لنا». علينا ان نقلص إنفاقنا على القوات المسلحة ونزيد اعتمادنا على الدبلوماسية، وأن نقلص الإنفاق على مهام ضبط أمن العالم ونزيد الإنفاق على إعادة بناء أميركا.

المواطنون في بلد عظيم متحضر مثل أميركا لا يحلون نزاعاتهم بالرصاص بل بالعقل. ومهما كان قرار المحكمة العليا المنقسمة، فإن القرار الحقيقي في النهاية يعود لنا. وقد حان الوقت لنفكر ثانية بثقافة السلاح وثقافة اللاعنف في بلدنا.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae