اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة؛ المعروفة اختصاراً بالإسكوا، أصدرت مؤخراً تقريراً مهماً حول «التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للجوء والنزوح بفعل النزاعات في منطقة عمل اللجنة»..

ولمن لا يعرف فإن هذه المنطقة تشمل أربع عشرة دولة (دول مجلس التعاون الخليج الست واليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر والسودان).

من اللافت أن المشرع الدولي آثر إطلاق مفهوم منطقة غربي آسيا على مجموعة هذه الدول العربية القحة، عوضا عن المفهوم الأكثر دقة الذي تعنيه في الأدبيات الجيوستراتيجية والديمغرافية والسياسية العربية وهو دول «المشرق العربي»!.

لا نريد لهذه الملاحظة أن تسوقنا للاستطراد إلى عمليات الالتفاف الغربية علي المفاهيم ذات الدلالات العروبية القومية، وتسويق مصطلحات أخرى بديلة، ثم عولمتها عبر الوثائق الدولية على غرار تقارير الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية..

فما يعنينا أكثر في هذا المقام استطلاع حجم المكابدة الواقعة على اللاجئين والنازحين من جهة ودول الإسكوا المضيفة لهم من جهة ثانية، نتيجة للحروب الإقليمية والمنازعات الداخلية وحركات التمرد المحلية..

ومن مطالعة البيانات والمعلومات والأرقام الكثيرة التي يزدحم بها التقرير، وهو الأول من نوعه، نستنتج:

أولاً، أن هناك 42 مليون لاجئ ونازح في عالمنا المعاصر، جراء الصراعات المحتدمة بكافة أنماطها المحلية الداخلية والاقليمية العابرة لحدود الدول والكيانات السياسية.

ثانياً، إن دول الإسكوا تستقبل وحدها نحو 6 .7 ملايين لاجئ و2 .7 ملايين نازح، بما يقدر بنحو 36% من مجموع لاجئي العالم ونازحيه.

ومؤدى ذلك ثالثاً، أن دول العالم برمتها ذات الستة مليارات نسمة تتحمل أوزار 27 مليون لاجئ ونازح فقط، بمعدل 4 لاجئين ونازحين لكل ألف نسمة.. في حين تأوي دول الإسكوا بقوامها الذي لا يزيد على 250 مليون نسمة 15 مليون لاجئ ونازح، بمعدل ستة لاجئين ونازحين لكل مئة نسمة.

بصيغة أخرى، فإن زهاء 5% من سكان المعمورة (في دول الإسكوا) يستضيفون بين ظهرانيهم ما يزيد 15 مرة على ما يستضيفه 95% من هؤلاء السكان!.

التقرير لا يذكر هذه المعدلات والمعادلات المقارنة بشكل صريح، لكن الاستدلال عليها بعملية حسابية بسيطة يبين مدى العبء الثقيل جداً الذي يقع على المشرق العربي شعوباً وحكومات وجهات اختصاص.

وفي هذا السياق، يقدر التقرير عدد اللاجئين الفلسطينيين بنحو 6 .4 ملايين نفس، مشكلين بذلك 25% ممن ينطبق عليهم مفهوم اللجوء المزمن على الصعيد العالمي وأكبر مجموعة من اللاجئين في منطقة الإسكوا.

وفي مواضع مختلفة منه، يميز التقرير بين ثلاثة من أنماط اللجوء والنزوح، هي العابر والطارئ والمزمن، موضحاً أن لكل من هذه الحالات أسباب وانعكاسات إجتماعية واقتصادية مختلفة.

ومجدداً تبرز بين يدي هذا التوصيف خصوصية النموذج الفلسطيني، كونه يمثل زهاء 60% من لاجئي العالم المزمنين، المقدر عددهم بما يتراوح بين 11 مليوناً و13 مليون نسمة. وبالمناسبة، فإن الأمم المتحدة تعرف اللجوء المزمن بطريقة مفعمة بالإيحاءات المأساوية، فهو «الحالة التي يشعر فيها اللاجئون بأنهم يعيشون في سجن أبدي»..

وبدوره يبدو تقرير الإسكوا وكأنه يفصل في حيثيات هذا الوضع «... حياة هؤلاء اللاجئين قد لا تكون معرضة للخطر، لكن حقوقهم الأساسية وإحتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والخدمية الضرورية لا تلبى رغم مرور السنين.

وفي كثير من الأحيان يكون اللاجئ في هذه الظروف غير قادر على التحرر من الاعتماد القسري على العون الخارجي..».

وتعتقد الإسكوا أن ضعف مؤسسات الدول المضيفة وعدم تطبيق بعض أطراف النزاعات للمواثيق الدولية وعهود حقوق الإنسان وغياب حكم القانون عموماً، من أهم عوامل تمديد حالة اللجوء والنزوح وتقويض القدرة على الوفاء باحتياجات اللاجئين والدفاع عن حقوقهم..

ومع ذلك، فإن تقرير الإسكوا لا يغمط أفضال الدول المضيفة، ولا ينكر جهودها في تحمل التداعيات الناجمة عن استضافة أعداد غفيرة من اللاجئين، وهي التي تعاني في معظمها من أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية هشة.

فسوريا والأردن من أكثر الدول استضافة للاجئين الفلسطينيين والعراقيين. وتستقبل مصر أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ مزمن من السودان. وهذه دول منخفضة الدخول وتتفشى فيها البطالة..

وربما أدى تدفق اللاجئين إليها، وكذا لبقية دول الإسكوا، إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية وتزايد الضغوط على البنية الأساسية وتراجع القوة الشرائية للشرائح الأكثر فقراً..هذا علاوة على إحتمال تعرض هذه الدول لمشاكل اجتماعية وأمنية كبيرة.

في كل حال، يقدم هذا التقرير، الذي تعدنا الإسكوا بإصدارات تالية له أكثر عمقاً وتفصيلاً، إضاءةً قويةً على جوانب ظلت طويلاً محل اجتهادات وجدل وكلام مرسل قابل للأخذ والرد عن اللجوء وإثارة على كل من اللاجئين ومضيفيهم، في رحاب عربية لا تنقصها أسباب التوتر والقلق.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com