أكدت الأزمة المالية العالمية الحالية مرة أخرى، أنه في سنوات الهزات الاقتصادية يزداد الأثرياء ثراء، والفقراء فقراً.

مؤخراً نشرت مجلة «فوربس» الأميركية التصنيف الدوري لأثرى أثرياء العالم. ووفقاً لنتائج عام الأزمة المالية 2009 اتسعت قائمة أصحاب المليارات من 793 إلى 1011 شخصاً، فيما ازداد إجمالي ثروتهم مرة ونصف المرة من 4,2 إلى 6,3 تريليون دولار.

أما في روسيا فإن عدد أصحاب المليارات تضاعف تقريباً خلال عام واحد، إذ ضمت قائمة التصنيف السابق 32 مليارديراً من روسيا، أما الآن فقد ازداد عددهم إلى 62 مليارديراً.

ارتفاع عدد مليارديرات العالم وازدياد إجمالي ثروتهم بمقدار 50% في ظل الأزمة يوحي بالمفارقة، وهذه النتيجة منطقية تماماً إذا ما استعدنا الطريقة التي كافحت بها حكومات العالم الأزمة الاقتصادية. فتدابير مكافحة الأزمة كانت في أغلبها تعتمد على ضخ الأموال في الاقتصاد.

وأنفقت الولايات المتحدة وحدها على هذا الغرض أكثر من 10 تريليونات دولار، وفي ظل ركود الإنتاج العالمي كان على هذه الأموال أن توظف نفسها كلياً في قطاع الأسهم والبورصات.

وجزئياً في سوق المواد الأولية، خالقة بذلك فقاعات مالية جديدة، ما أدى بالنتيجة إلى ارتفاع أسعار النفط من أدنى مؤشر لها (47 دولاراً للبرميل) في ديسمبر 2008 إلى قرابة 80 دولاراً للبرميل حالياً. كما تصاعدت مؤشرات سوق الأسهم المالية العالمية.

تبادل الترتيب لم يحدث فقط في قائمة أثرياء العالم أنفسهم، بل وبين الدول الرائدة في عدد أصحاب المليارات القاطنين على أراضيها.

فالصين المستمرة، بغض النظر عن الأزمة، في تحسين مؤشراتها الاقتصادية أزاحت روسيا من المركز الثاني إلى الثالث بعدد أصحاب المليارات بـ 64 مليارديراً مقابل 62 مليارديراً على التوالي.

ولكن اللافت شيء آخر، وهو أن عدد أصحاب المليارات في روسيا، تضاعف خلال العام المذكور رغم أنها عانت من الأزمة مثل معظم الدول المتقدمة.

ويرى البعض أن زيادة عدد «المليارديرية» الروس يرتبط بشكل مباشر بأسعار المواد الخام، خاصة النفط والمعادن. انهيار الأسعار العام الماضي أسقط 50 شخصاً من قائمة أصحاب المليارات الروس، وها هم الآن «قد عادوا مع ارتفاع أسعار المواد الأولية».

لا شك أن لارتفاع أسعار النفط دوره، لكنه ليس السبب الوحيد، لقد حاربت روسيا الأزمة بنفس الوسائل التي اعتمدتها بقية الدول، لكنها حققت في هذا المجال نجاحات أكثر من غيرها.

ولو قسنا هذا من حيث النسبة المئوية (من حصة الناتج المحلي) نجد أن حجم الأموال العامة التي ضختها الحكومة الروسية في الاقتصاد تزيد بشكل ملحوظ على مثيلتها من المؤشرات في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية.

على الجانب الآخر وردت معلومات من مكتب الإحصاء الفيدرالي الروسي يشار فيها إلى أن عدد المواطنين الذين يعيشون تحت مستوى الفقر في روسيا ازداد في الأشهر التسعة الماضية بمقدار 800 ألف شخص.

و هذه الأنباء أدت إلى إثارة الغضب في المجتمع، إذ وصل عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر في روسيا إلى نحو 20 مليون شخص.

وعلى ما يبدو أن السبب لا يرجع إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، لأن الأغنياء في روسيا ازدادوا غنى، ولكن الخلل يكمن في النظام السائد، إذ إنه لا توجد دولة من دول العالم المتطور تَستخدم النظامَ الضريبي المتبَع في روسيا.

حيث يتساوى الفقير والغني بدفع ضريبة تبلغ 13% من الدخل السنوي، بينما في الدول المتقدمة يتنازل الأغنياء عن جزءٍ من أموالهم لصالح الفقراء لحماية أنفسهم وحماية المجتمع، ولم يفكر النظام الحاكم في روسيا حتى الآن في التحول إلى نظام الضرائب التصاعدية أي أن يدفع الأغنياء أكثر والفقراء أقل، لعل هذا أن يساعد على ردِم هذه الفجوة.

ولا شك أن وجود عشرات الملايين من الفقراء في روسيا المعاصرة أمر ليس مأساوياً فقط، بل هو مخجِل للغاية، ولا يمكن إخفاؤه بأرقام ازدياد معدل نمو الإنتاج، لذا يجب على السلطات أن تجد توازناً بين دعم الفقراء وتحفيز الأغنياء. وهذا وحده يمكن أن يؤدي إلى التنمية المستدامة وإلى تقدم البلاد.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru