لنتصور قطارين سريعين يسيران على نفس الخط، ولكن عكس اتجاه بعضهما. هذا ما يحدث منذ شهور بين إيران من جهة والغرب من جهة أخرى.
إيران، شاغلة الولايات المتحدة والغرب عن مشاكلهما الداخلية. هذا الغرب الذي لا نعرف ماذا يريد. وإيران التي تعرف بالضبط ماذا تريد.
والإثنان يسيران في اتجاه معاكس، ولكن فيما يبدو حتى الآن لم يصلا بعد لنقطة التصادم. وإن حصل لا سمح الله أن وصلا إلى نقطة الصفر وتصادما، فالعواقب لن تكون أقل من تصادم قطارين سريعين يسيران على خط سكة حديد واحدة. آلاف القتلى والجرحى من كلا الطرفين ومن حولهما.
الغرب قد لا يتأثر كثيرا بهذا التصادم. فهو في أحيان كثيرة يقف موقف المتفرج كما حصل مع العراق لولا تهور رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. الغرب الذي يحسد الولايات المتحدة على غطرستها وسيطرتها على مقادير العالم، يريد جرها إلى مزيد من الخسائر في الشرق الأوسط وفي العالم.
وإيران على الأقل تتفق مع الغرب في هذه الخدعة، فلا سبيل إلى ضعضعة مكانة أميركا سوى حرب استنزاف عسكري واقتصادي في كل مكان كما حصل للاتحاد السوفييتي من قبل حتى تحول إلى خيال مآتة لا يهش ولا ينش كما يقول المثل العامي. وقطعة الحلوى تتمثل في برنامج إيران النووي.
وإيران لم تتجرأ على امبراطورية الولايات المتحدة سوى بعد أن تأكد لها أنه ليس كل من يعوي يعض.
إحيطت إيران بأسوار من كل اتجاه، ولم يبق لها غير نافذة صغيرة أو نافذتين واحدة باتجاه الشمال وأخرى باتجاه الشرق والسماء من فوقها، لكي تتفادى التصادم من جهة وتكمل سيرها إلى المحطة القادمة: الأولى متمثلة في إمبراطورية روسيا المتهالكة.
والثانية في إمبراطورية الصين الناهضة. وروسيا ما زالت تحلم بحصتها من العالم زمن الشيوعية. والصين صامت كتماثيل جنودها وخيولها المصنوعة من الطين التي اكتشفت تحت الرمال وتعود لزمن أول إمبراطور صيني عاش قبل الميلاد. وها هي الجنود تنهض والخيول تسرج لتحتل مكانة لا يحلم بها العرب منذ ان أضاعوا الأندلس.
ووجدت إيران في الصين ليس فقط المنفذ إلى تحقيق أحلامها بامتلاك الصناعة النووية السلمية والحربية، بل وجدت فيها المثل الأعلى في الوصول إلى أعلى مراتب النفوذ الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط. والصين في حاجة إلى نفط إيران وإلى شركاء في التنمية والاستثمار.
وإيران تمتلك الاثنين إضافة إلى اتساع رقعتها الجغرافية وموقعها المتميز. والصين تعرف بخبرتها القديمة بأن إيران هي صين الشرق الأوسط في العشرين سنة المقبلة، حتى ولو ضربت اليوم مفاعلاتها النووية فإن ذلك لن يضعف من عزيمتها.
فلا بد من حمايتها وتشجيعها على المضي في سياستها كحليف جديد لها في المنطقة. والصين عانت من قبل كما تعاني اليوم إيران من هجوم الغرب عليها ومحاولة سد المنافذ من حولها كي لا تصل إلى أن تصبح قوة اقتصادية عظمى.
وهي تدرك جيدا نية الغرب تجاه الشرق الأدنى والأوسط لجعله مستعمرات ممزقة مستهلكة لمنتجاتها التي تحتكرها ابتداء من علب الكبريت إلى طائرات البوينج العملاقة. غير ان إصرار الصين وصمتها أوصلاها إلى ما هي عليه اليوم.
والصين لا تبدي مثل هذه الحساسية في علاقاتها مع دول الجوار في تقدمها الاقتصادي لإيمانها بالتعاون الاقتصادي بين الدول والمشاركة في الإنتاج، على غير فلسفة الغرب الاحتكارية.
وعرفت إيران إلى أين توجه نظرها بعد أن أشغل الغرب نفسه ليل نهار في اتخاذ قرارات العقوبات القاسية عليها وتهديدها بتحويلها إلى عراق ثانية.
والخميس الماضي بدأ كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين سعيد جليلي زيارة رسمية نوعية إلى عاصمة الصين ليلتقي مع كبار دبلوماسييها هناك دون التفات إلى هرج ومرج الغرب تاركهم فاغرين أفواههم أمام هذه الجرأة.
بالطبع الظاهر من الأمر أن إيران تجد دعما كبيرا من الصين في تخفيف العقوبات عليها، خاصة وأن الصين تملك حق النقض في مجلس الأمن، ولكن الزيارة قد تخفي وراءها جبلا من الطموحات المستقبلية.
فهل ستأكل دول آسيا كعكة مليارات الدولارات في تنفيذ مشاريع البرامج النووية في منطقة الشرق الأوسط، أمام دهشة وحسد ساركوزي وميركل وأوباما وبراون؟
جامعة الإمارات