لا يختلف عاقلان على أن ما حصل في العاصمة الروسية موسكو من تفجيراتٍ إرهابية طالت شبكة مترو الأنفاق قبل أيام، لا يعدو عن كونه ضرباً من ضروب الإرهاب العبثي المجرم.
وإن كانت شبكات المترو والمناطق المدنية المزدحمة الأخرى مثل الفنادق والمراكز التجارية ووسائل النقل العامة هي الأهداف المفضلة للإرهابيين المنفلتين من كل عقال، والراغبين في حصد أكبر قدر ممكن من الضحايا، فإن الكارثة الحقيقية تكمن في أن أي إجراءاتٍ أمنية مشددة في تلك الأماكن لا يمكنها بأي حال من الأحوال ضمان عدم تكرار مثل هذه المجازر.
ففي موسكو ومدن عديدة في الغرب تحمل معنيً «كوزموبوليتانياً» مثل كييف وباريس ونيويورك، يكاد المرء يدهش لرؤية ما يمكن وصفه مقارنةً بالبلدان العربية ب«التراخي» الهائل في الإجراءات الأمنية في محطات المترو.
فبوسع أي إرهابي، رغم كارثتي مدريد العام 2004 ولندن في 2005، أن يصل إلى مبتغاه بكل يسر في ظل غيابٍ فاضحٍ لعمليات التدقيق أو التفتيش، ولو تلك السطحية منها لآلاف الركاب يومياً، الذين وإن سلّم المرء بأنهم أولئك الطلاب والعمال والموظفون، إلا أن واحداً فقط يكفي أن يندس في صفوفهم ليخلف وراءه مأساةٍ يرويها أقارب القتلى.
وفي روسيا، تأتي التفجيرات لتترك وراءها سؤالاً كبيراً لا يملك سوى شخص واحد الإجابة عنه. أما السؤال فهو إلى أي حد ستغير تلك الهجمات الإرهابية من تفاصيل المشهد الأمني في البلاد، وإلى أي مدى ستتحرك بيادق الكرملين في ضبطها لإيقاع لعبة الشطرنج السياسية؟.
وأما المجيب، فهو بلا شك رجل روسيا القوي الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين. دخل بوتين حلبة السياسة في بلاده من بوابة الأمن والحرب على الإرهاب والتمرد بوجه الدولة الاتحادية أواخر القرن الماضي حينما كانت روسيا تترنح تائهةً من «سكرات» حكم الرئيس السابق بوريس يلتسين.
استطاع بوتين نزع شوكة المتمردين الشيشان الذين أصابوا الكرملين بالأرق طوال التسعينات بواسطة حربٍ مركزة ضربت معاقلهم واستهدفت قادتهم وجففت منابعهم.
أخمد نزعة التمرد تلك بطريقةٍ أثارت دهشة الكثيرين عجز عنها حتى عتاة «العسكرتاريا» السوفييت من أمثال جوزيف ستالين، فاستمال القادة الشيشان المعتدلين ووطد الوجود الروسي الذي كان مهلهلاً وقطع الطريق، استخباراتياً، على إنشاء تحالفٍ فضفاض لحمى التمرد في جمهوريات القوقاز مثل أوسيتيا الشمالية والشيشان وأنغوشيا.
ومع مرور أكثر من عشرة أعوام على حكمه، نال بوتين ثقة الكثيرين من مواطنيه لمقدرته على جلب الأمن لمحطات المترو والفنادق والشوارع وحتى الأقاليم المتمردة، رغم بعض الاستثناءات من هنا وهناك التي لم تضر كثيراً بسمعة «القيصر الجديد».
واليوم، تمثل تفجيرات مترو موسكو تحدياً شخصياً لبوتين وعلنياً لقبضته الأمنية التي اشتهر بها وأخاف بها خصومه. فإحدى المحطتين المستهدفتين، وهي «لوبيانكا»، تقع على مرمى حجر من مقر جهاز الأمن «إف إس بي» الذي تخرج فيه بوتين نفسه.
كما أن اختيار ساعة الذروة لتنفيذ العملية، وإن كانت مسألةً مفهومةً إرهابياً بقصد إسقاط المزيد من الضحايا، أرسل رسالةً لا لبس فيها هدفت إلى إظهار رئيس الوزراء الروسي بمظهر الضعيف غير المتمكن من الإمساك بزمام الوضع الأمني، فيما بنى هو سمعته على عكس ذلك بمساعدة أجهزة السلطة.
والحال، أن ضارة الهجمات الإرهابية الأخيرة قد تفضي في نهاية المطاف إلى نافعة للحكم الحالي في روسيا المكون من ثنائي مدينة سانت بطرسبرغ بوتين والرئيس الحالي ديمتري ميدفيدف، لينقلب السحر في واقع الأمر على الساحر كما في تجارب كثيرة عبر التاريخ.
ولكن ميدفيدف بدوره قد يجد نفسه مضطراً إلى تنحية سياساته «الناعمة» القائمة على الانفتاح ومعالجة أسباب الإرهاب بالطرق غير العسكرية، والتي حاول على الدوام تسويقها ليبدو «الرجل اللطيف» في معادلة الحكم الثنائي الحالي.
وبالتالي، ستصعد أسماء تعتبر «متشددة» بقيت في الظل ولم تتداولها وسائل الإعلام كثيراً محسوبة على الدائرة الضيقة لبوتين لتحاول الاستفادة من الجلبة التي أحدثتها التفجيرات.
وتسجل حضورها على المسرح خاصةً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام 2012 والنقاش الساخن الذي يدور في أروقة الكرملين ومعارضيه بشأن المجرى الذي ستتخذه الانتخابات وهوية الأشخاص الذين سيخوضون الاستحقاق.
وهنا، يمكن لرئيس الوزراء الروسي أن يفسر إشارة التحدي التي أرسلها منفذو العملية على أنها صافرة البدء لجولة النهاية التي طال انتظارها ضد الإرهاب القوقازي من جهةٍ، ومعارضيه على مختلف مشاربهم من جهةٍ أخرى.. فيكون الإرهاب بذلك عدو بوتين المفضل.
