بعد انهيار قلاع الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وعودة العلاقات بين الجارتين روسيا وأوكرانيا إلى طبيعتها، تتوجه الأعين الآن إلى جمهورية جورجيا المجاورة لأوكرانيا.

والتي يحكمها آخر أنظمة الثورات الملونة التي دعمتها واشنطن في عهد الرئيس بوش الابن، إنه نظام الثورة الوردية التي قادها الشاب ميخائيل ساكاشفيلي الذي تلقى دورات تدريبية في القيادة في المعهد الجمهوري في واشنطن الذي ترأسه زوجة نائب الرئيس الأمريكي االسابق ديك تشيني.

والذي يتولى إعداد قادة الدول الأخرى، وينظم ويدعم الثورات الملونة التي ترفع شعارات الديمقراطية والحرية الأميركية التي لا تطعم الشعوب ولاتغنيها من جوع وفقر، وبعد أن سقط النظام البرتقالي في أوكرانيا، لم يعد هناك من يؤيد ويدعم ساكاشفيلي من جيرانه.

ولم تعد واشنطن تعيره الاهتمام الكافي بعد أن غرقت في مشاكلها في أفغانستان وفي الأزمة المالية والاقتصادية التي تنخر اقتصادها، ولم يعد هناك أي دعم من أوروبا التي تسعى للتقارب مع روسيا ولا تريد أية خلافات معها، بعد أن أصبحت روسيا المصدر الرئيسي للطاقة الأوروبية من النفط والغاز.

الآن يواجه ساكاشفيلي معارضة قوية في داخل جورجيا، خاصة بعد أن انفض عنه رفاقه في الثورة الوردية، وعلى رأسهم رئيسة البرلمان السابق السيدة الحديدية «نينو بورجاندزة» التي اختارت طريق رفيقتها الأوكرانية يوليا تيموشينكو زعيمة الثورة البرتقالية التي تخلت عن رفيقها الرئيس يوشينكو وذهبت لموسكو تبحث عن رضاها وتعاونها معها.

وها هي سيدة جورجيا الحديدية بورجاندزة تزور موسكو وتلتقي مع رئيس الوزراء بوتين لتكرر نفس سيناريو الأوكرانية تيموشينكو، على أمل أن تدعمها روسيا لتتولى الرئاسة بعد ساكاشفيلي الذي باتت أيامه معدودة في الحكم أمام الرفض الشعبي الكبير لبقائه بعد أن أعلن العداء السافر لروسيا ودخل معها في حرب جنونية خاسرة في أغسطس عام 2008.

و على ما يبدو أن ساكاشفيلي لم يفقد الأمل كليا بعد، بل مازال لديه أمل في أن يكسب تعاطف بعض فئات الشعب معه ضد روسيا، فذهب يلعب لعبة ساذجة ومكشوفة.

حيث قامت قناة تليفزيونية في جورجيا اسمها «إيميديا» في 13 مارس المنصرم بعرض برنامج مفبرك يوحي بأن القيادة الروسية تعد لغزو عسكري كبير لجورجيا للقضاء على حكم ساكاشفيلي ووضع حكومة شعبية من قوى المعارضة بزعامة السيدة نينو بورجاندزة، ويقول البرنامج: إن هذه الخطة وافق عليها الرئيس الروسي ميدفيديف وأنها على وشك التنفيذ في وقت قريب.

وقد أثار عرض هذا البرنامج قلقا واضطرابا في بعض القرى والمدن النائية في جورجيا، والتي يعتمد عليها ساكاشفيلي في شعبيته لابتعادها عن وسائل الإعلام وشبكة الانترنت، ولا يعرف الأهالي هناك سوى الرئيس ساكاشفيلي.

وبالفعل ثار الناس هناك وبدؤوا في جمع السلع الغذائية من الأسواق تحسبا للحرب وللغزو الروسي القادم لبلادهم، بينما في العاصمة والمدن الكبيرة لم ينخدع أحد بخدعة ساكاشفيلي، بل لجأت السيدة نينو بورجاندزة للقضاء في جورجيا ضد قناة التليفزيون «إيميديا» التي اعترف بعض العاملين فيها بأنهم عرضوا البرنامج رغم أنفهم وتحت تهديد من سلطات الأمن.

ساكاشفيلي خرج على شعبه في التليفزيون ليهاجم روسيا ويقول إنه على يقين من أن هذا هو السيناريو الذي تعده موسكو لبلاده، كما هاجم السيدة بورجاندزة واتهمها بالولاء لأعداء جورجيا، يقصد روسيا، وهو نفس الاتهام الذي اتهم به الرئيس الأوكراني السابق يوشينكو رفيقته في الثورة البرتقالية تيموشينكو.

لقد أراد ساكاشفيلي بهذه الخدعة أن يضرب عصفورين بحجر واحد، حيث يثير الشعب الجورجي ضد روسيا وأيضا يشوه سمعة المعارضة الجورجية التي تتزعمها السيدة بورجاندزة.

رد فعل موسكو كان هادئا تماما، مع شيء من التهكم والسخرية، حيث كتبت الصحف الروسية تقول «إن ساكاشفيلي يضخم من حجمه كثيرا عندما يصور أو يتصور أن روسيا بحاجة لغزو عسكري لجورجيا لكي تعزله من الحكم،

وينسى أو يتناسى ساكاشفيلي أنه كان في متناول يد القوات الروسية عندما دخلت جورجيا في أغسطس عام 2008، وكانت طائراتها تحلق فوق رأسه ولم تمسسه بسوء، بل تركته ليسقط بإرادة شعبه».

elmoghazy@hotmail.com