إذا كانت القمم العربية قد تحولت إلى طقس سنوي يجتمع فيه زعماء الأمة العربية، لإلقاء الخطب وإظهار القدرات الفردية في مجال التعليم، وقضاء يومين مزدحمين بالأجندات، والملفات، ومئات الصحافيين عرباً وأجانب، فإن الجمهور العربي عموماً لم يعد يعير هذه الطقوس الحد الأدنى من الاهتمام والأمل.

القمة العربية الدورية (22) في مدينة سرت الليبية، لم تختلف عن سابقاتها سوى أنها اختصرت الوقت، وأعفت الناس من متابعة كلمات وخطب اختتامية لا تقدم ولا تؤخر في طبيعة جدول الأعمال، والقرارات النهائية، ولا تبدل واقع حال الانقسامات التي تعاني منها الأمة العربية.

البيان الختامي الذي ألقاه السيد عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية، لم يتضمن في الحقيقة أية قرارات، توازي أو حتى تداني المطلوب في ضوء حجم ونوع المخاطر التي تجابهها الأمة العربية والتي يمكن تلخيص أهمها بالآتي:

أولاً: لم تنجح كل محاولات عمرو موسى لتطوير أداء ودور الجامعة العربية التي يستعاض عنها في كثير من الأحيان بلجان لمعالجة قضايا محددة، مثل قضية القدس، قضية المفاوضات وبأدوار قطرية، أو ثنائية، مثلما يحصل في موضوع السودان، والملف اللبناني وملف المصالحة الفلسطينية، والملف اليمني...

هذا يعني أن الجامعة أصبحت عنواناً فقط، لوحدة غير موجودة وبعيدة المنال، وفي أحسن الأحوال لجنة متابعة، أو سكرتاريا للقمة العربية، فيما لا يحصل تقدم يذكر وملموس على مستوى وطبيعة العمل العربي المشترك.

ثانياً: القمة العربية لم تتحول إلى عمل مؤسس، ولا تشكل ميداناً لحوار معمق مطلوب بين القادة والزعماء العرب، فضلاً عن أن أحداً لا يسأل عن مصير قرارات القمم السابقة، أين وكيف نفذت، وما الذي ينفذ منها ولماذا؟

من يتابع القمم العربية يخرج باستنتاج أن المصلحة العامة تستند إلى عملية تجميع لرؤى ومواقف ومصالح قطرية لها الأولوية، وأن هذه المحصلة هي أقل من محصلة مواقف وسياسات دول منفردة. إن البحث عن التوافق، والإجماع، في ظل تناقضات واضحة تنخر الجسم العربي، تؤدي في الغالب إلى أن تسير الجماعة العربية على خطى أبطأ الإبل فيها.

هذا ما يحصل لخيار السلام كخيار استراتيجي، وهذا ما يحصل لموضوع المفاوضات الفلسطينية والعربية والإسرائيلية، ولمبادرة السلام العربية، وللموقف من المقاومة والمفاوضة.

وهذا ما يحصل أيضاً إزاء العلاقات العربية بالجوار الإيراني والتركي. وتحت وطأة الأزمات التي تتوالد في الجسم العربي باستمرار، ولا يتوفر مجال لمناقشة قضايا التنمية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وصراع الأقاليم، والتطور الاقتصادي، والتجارة البيئية، وقضايا الأمن القومي العربي، وتزايد دور الجماعات الإرهابية.

ثالثاً: تتعرض الأمة العربية إلى عملية تفسخ، لتقسيم المقسم، فثمة تهديدات حقيقية لوحدة السودان، والصومال، واليمن والعراق، فضلاً عن الانقسام الفلسطيني، وكأن المنطقة العربية تتعرض إلى مؤامرة (سايكس بيكو) جديدة.

رابعاً: يؤدي ذلك إلى ضعف القدرات القطرية على مجابهة الأخطار والتحديات، وإلى تشجيع قوى إقليمية، مثل إيران، تركيا، وإسرائيل، لتوسيع نفوذها ومصالحها، بعيداً عن منطق الشراكة، وتبادل المصالح والمنافع، وبالتالي تعريض الأمن القومي العربي لخطر التفكك، والضعف، وخضوع البعض لتجاذبات إقليمية ودولية، لا تقيم حساباً لمصالح العرب.

خامساً: تواصل إسرائيل التلاعب بالمسارات التفاوضية مع الأطراف العربية المعنية، وتستفرد بالفلسطينيين، من خلال سياسة يومية، لا تعترف بالحد الأدنى من الحقوق، ولا بالحد الأدنى من القرارات والقوانين الدولية ذات العلاقة.

إن استمرار إسرائيل في سياسة تسمين وتوسيع المستوطنات، وتهويد القدس، ومواصلة حصار قطاع غزة، وتعميق الانقسام الفلسطيني، إنما يعكس إستراتيجية ثابتة، عدوانية، وتوسعية في طبيعتها، تعمل على فرض «السلام» انطلاقاً من مبدأ الأمن مقابل الأمن والسلامة، وبما يتفق والمصالح والأطماع الإسرائيلية.

إن إسرائيل في سبيل ذلك، غير مستعدة لإبداء أي قدر من المرونة، حتى حين يتعلق الأمر بحليفتها التاريخية القوية الولايات المتحدة، وهي تواصل تحديها لإدارة الإجماع الدولي، التي ترفض الاستيطان وتعتبره غير شرعي وغير قانوني.

وليس من باب المزايدة أو فقئ الجراح، فإن على العرب حين يؤكدون التزامهم القومي أو حين يفرقون في مصالحهم ورؤاهم القطرية الضيقة، عليهم أن يتذكروا بأن مسألة الاحتلال لا تقتصر على الكيان الصهيوني، الذي يحتل كل أرض فلسطين التاريخية والجولان وأجزاء من لبنان، فهناك احتلال إيراني للجزر الإماراتية الثلاث.

وهناك لواء الاسكندرونة، ومنطقة الأحواز التي يقول العراقيون إن إيران ضمتها إلى أراضيها. فماذا فعلت قمة سرت إزاء كل هذه التحديات؟

إن من يتابع الاستخلاصات التي قدمها الأمين العام للجماعة العربية لن يعثر بالمعنى الفعلي سوى على قرار واحد وهو الذي يتعلق بتخصيص نصف مليار دولار لصالح القدس، ما تبقى لا يعدو كونه آليات ووعود.

وإعادة التأكيد على مواقف سابقة. فالعرب يؤكدون على وحدة العراق، ووحدة السودان، وعلى حق دولة الإمارات في استعادة جزرها الثلاث، طنب الكبرى، والصغرى وأبو موسى.

إن الحديث عن رابطة الجوار، والحوار يتطلب أولاً معالجة قضايا الخلاف مع الجوار، ويتطلب إعادة النظر في الخيارات الأساسية، إذا أراد العرب أن يذهبوا إلى حوار وروابط فإن عليهم أن يقيموا رابطة قوية بينهم، إذ ان الروابط القائمة صدئة، ومهترئة، وعليهم أيضاً أن يستجمعوا أوراق قوتهم، وإلا كان الحوار مع الآخرين، كالمفاوضات مع إسرائيل، أو كالحوار غير المتكافئ مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي.

يبدو أن الزعماء العرب الذين اجتمعوا في سرت الليبية، قد وجدوا ضالتهم بموضوع القدس، للتغطية على عجزهم المزمن عن الاقتراب من القضايا والتحديات الجوهرية والأساسية التي تواجه أقطارهم أو تواجه الأمة العربية بأسرها.

وحتى إزاء القضية الفلسطينية، فإن التركيز فقط على القدس، لم يعد كافياً، ولا حتى تبني موقف لجنة المبادرة العربية للسلام بربط المفاوضات بتراجع إسرائيل عن قرارها بإقامة ألف وستمئة وحدة سكنية في القدس، وكانت سبباً مباشراً في توتر العلاقات الأميركية- الإسرائيلية.

إسرائيل معزولة دولياً، فكل من على هذه الكرة الأرضية يدين ويرفض سياسة الاستيطان الإسرائيلي. وبقدر ما يتعلق الأمر بالرباعية الدولية فهذه أيضاً خلال اجتماعها في موسكو في التاسع عشر من الشهر الماضي، أدانت بوضوح النشاطات الاستيطانية، وطالبت بتجميدها، ثم أكدت على عدم شرعية الاستيطان وتهويد القدس.

الظروف الدولية إذاً مهيأة بشكل جيد، للأخذ بنصيحة رئيس الوزراء القطري، الذي انتقد الأمم المتحدة لعدم اتخاذها عقوبات بحق إسرائيل، المقصود هنا هو أن ينتقل العرب من الأقوال إلى الأفعال .

كما قال العقيد القذافي، والذهاب بإدارة موحدة، إلى مجلس الأمن، والمؤسسات الدولية، وإعادة طرح العديد من الملفات التي تدين إسرائيل. إن هذا هو المحك لمدى مصداقية الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي، وهو أيضاً اختبار عملي لقدرة العرب على إدارة مصالحهم.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com