أخيراً، وبعد مرور ثلاثة أسابيع على إجراء الانتخابات في العراق، أعلنت النتائج النهائية في أجواء احتفالية متميزة، حيث حجزت أربع كتل سياسية الغالبية العظمى من مقاعد البرلمان. وقد تصدر ائتلاف «العراقية» بقيادة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، الكتل الفائزة بحصوله على 91 مقعداً من مقاعد المجلس النيابي البالغ عددها 325.

ومنذ لحظة إعلان النتائج النهائية، دخلت العملية السياسية العراقية في طور جديد، طور تشكيل الحكومة المقبلة الذي يتطلب كاستحقاق دستوري، الحصول على الأغلبية المطلقة عبر عمليات تفاوض شاقة بين الكتل الفائزة.

الوعود الجذابة التي أعطيت للناخبين العراقيين خلال الحملة الانتخابية، لم يعد لها مكان على مائدة المفاوضات بين الكتل السياسية الفائزة، التي بدأت قياداتها بالتحرك على مدار الساعة، للخروج بطبخة سياسية تمهد لتشكيل الحكومة العراقية للسنوات الأربع المقبلة.

فكل كتلة فائزة تعرف الآن حجمها الحقيقي وقد وضعت، في ضوء ذلك، استراتيجية مناوراتها لضمان تحقيق بعض الأهداف الأساسية، والتمهيد للحصول على ضمانات لتحقيق أهداف أخرى.

وقد وضعت كل منها سقفاً أعلى وآخر أسفل لمطالبها، وحشدت أفضل من يمتلك القدرات والمهارات التفاوضية من منتسبيها للقيام بذلك، وقد يستعين بعضها بقوى خارجية لتعزيز موقفه التفاوضي وحسم الموقف.

استراتيجيات التفاوض وما يرافقها من مناورات ومساومات، هي الأخرى معقدة قدر التعقيد في الخارطة السياسية العراقية، وليس من المستبعد أن تغير هذه الكتلة أو تلك، أو بعض مكوناتهما، مسارها التفاوضي، وتتجه للتحالف مع من استبعدت اللقاء به بالأمس.

جوهر العملية التفاوضية يدور حول من سيصبح رئيساً للوزراء في العراق، المنصب الأكثر أهمية في الدولة العراقية الجديدة وفق الدستور، هل هو من حصدت كتلته أكثر الأصوات؟

أم شخص آخر يترأس كتلة جديدة قد تنبثق عن تحالف جديد تفرزه المفاوضات التي تجري الآن خلف الكواليس؟ نحتاج بكل تأكيد إلى بعض الوقت للإجابة عن تساؤلات كهذه، فمختلف الاحتمالات واردة، وقد تكون لها فرص متقاربة للتحقق.

رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، أدان مبدأ التوافق الذي تحكم في مفاصل العملية السياسية، على مدى السنوات الماضية التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق، في أكثر من مناسبة.

وتحدث عن ضرورة الانتقال إلى صيغة جديدة في الحكم، وهي القبول بتولي حزب الأغلبية النيابية المسؤولية كاملة، فيجني من خلالها أوسمة تعزز موقعه أو كبوات تعزز عكس ذلك، كما هو الحال في الدول الديمقراطية الغربية.

في حين يرى خصومه السياسيون، أنه مارس فعلاً هذا التوجه خلال سنوات حكمه، على الرغم من أن وزارته تضم، من الناحية الشكلية، أعضاء من كتل سياسية أخرى. فالحاكم الفعلي خلال هذه السنوات، كان مكتب رئيس الوزراء الذي يضم مستشاريه، وأغلبهم من الحزب الذي يترأسه، حزب الدعوة.

ولكن هذا الطرح لا يرضي أطرافاً أخرى في العملية السياسية، لأنه يؤدي إلى إقصاء هذه القومية أو تلك الطائفة، بسبب كون معظم الأحزاب التي تدير العملية السياسية قد بني على أسس طائفية أو عرقية.

أما ما يطرحه رئيس الكتلة العراقية إياد علاوي، المنافس الأقوى للمالكي، فهو الشراكة السياسية، وهو مصطلح جديد يحل بديلاً لمصطلح التوافق الذي أصاب العملية السياسية بالجمود.

فالشراكة السياسية تعني ما كان يعنيه مبدأ التوافق، وهو إرضاء جميع الأطراف في صفقة تكبل، قبل أي شيء آخر، أيدي رئيس الوزراء نفسه، وترضي رؤساء الكتل السياسية الكبيرة، لكنها قد لا ترضي أغلبية العراقيين.

من الأمور التي تجدر الإشارة إليها، موقف الكتل السياسية الكبيرة الحاسم من رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو الإصرار على إقصائه من العملية السياسية، على الرغم من حصوله على أكبر عدد من أصوات الناخبين، سواء صدرت رغبة الإقصاء هذه بشكل علني أو بشكل آخر.

في مقابل ذلك إصرار المالكي على التمسك بمنصبه، عبر طعنه في نتائج الانتخابات والدعوة إلى إعادة عملية الفرز والعد في كافة أنحاء العراق بطريقة يدوية، مهدداً بأنه خلاف ذلك قد تعود أعمال العنف إلى الشارع العراقي من جديد.

وقد بدأ حزب الدعوة، الذي يترأسه المالكي، بإثارة الشارع العراقي، بعد أن أخفق في إلزام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بالقبول بطعوناته، فقد خرج بعض التظاهرات المحدودة العدد في عدد من مدن العراق لدعم طلباته، وهناك ما يشير فعلاً إلى محاولات لتعكير صفو الوضع السياسي.

وليس من المستبعد أن يتصاعد هذا التحريض الجماهيري، ويجر وراءه مصادمات مع الأطراف التي ستقوم بتشكيل الحكومة القادمة، ما يثير المخاوف حول صعوبة تسليم السلطة للطرف الفائز بطريقة سلمية، وما قد يجره ذلك من مخاطر تعيد التخندقات الطائفية، وتعيد العراق إلى أجواء الأيام العصيبة التي عاشها.

الحقيقة أن الرغبة في إقصاء المالكي ليست ذات صبغة شخصية للنيل منه، بل هي في الجوهر رغبة في إقصاء حزب الدعوة الذي استأثر بالحكم منفرداً على مدى السنوات الأربع المنصرمة، على الرغم من أن نوري المالكي، الذي يتزعم الحزب، قد صعد إلى منصبه الرفيع بدعم حلفائه السابقين، وبالأخص نواب التيار الصدري.

كل كتلة سياسية قد حددت أهدافها ورسمت استراتيجيتها وتعرفت إلى نقاط ضعف الآخرين، والنقطة المركزية لكل منها هي التحوط لعدم تصدعها وخسارة قوتها التفاوضية، فأجواء المفاوضات لا تخلو من خطط، عند هذا الطرف أو ذاك، لإضعاف الطرف المقابل وتفكيكه.

قد لا تلعب براعة المفاوض دوراً مهماً في الوصول إلى صفقات مرضية، فالضغط والإغراء، وربما الابتزاز أحياناً، هي الآليات التي يتسلح بها المفاوضون وراء الكواليس، بغية الخروج من أزمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae