خلال زيارتها إلى موسكو، عقدت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية لقاءات متعددة مع كافة القيادات الروسية. وربما كان تعدد هذا اللقاءات، على أمل أن تجد كلينتون ثغرة تنفذ منها لتحقيق ما تسعى إليه واشنطن.
وكان من المعروف أن مباحثات وزيرة الخارجية الأميركية في العاصمة الروسية، لا بد أن تتركز على أبرز قضايا الخلاف بين البلدين، وهي مشروع معاهدة تقليص الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، ومسألة فرض عقوبات إضافية ضد إيران.
وقد كشفت نتائج لقاءاتها أن المفاوضات حول الملف الأول ما زالت متعثرة، بعد أن قررت الإدارة الأميركية التراجع عن الاتفاق الذي توصل إليه الرئيسان مدفيدف وأوباما، خلال لقائهما في موسكو الصيف الماضي، والذي ربط تقليص الأسلحة الإستراتيجية الهجومية بالدرع الصاروخية الأميركية.
والأمر لم يقتصر على أن واشنطن قررت نشر عناصر منظومتها الصاروخية في كل من رومانيا وبلغاريا، وإنما تعداه إلى رفض مشروع الربط سابق الذكر.
ولم يعد هذا التذبذب في الموقف الأميركي مفهوما، فإذا كان سيتم تقليص الصواريخ النووية لأقل من 700، فلا معنى إذن للدرع الصاروخية، إلا إذا كانت تستهدف شل كامل الترسانة النووية الروسية.
وقد اعتبر بوتين خلال لقائه مع هيلاري كلينتون، أنه كان من الممكن التقدم بشكل فعلي في شراكة إستراتيجية حقيقية في هذا الإطار، بشكل جماعي بمشاركة الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، إذا تجاوبت واشنطن مع مقترحات الكرملين عام 2007، عندما طرح مشروع المنظومة العالمية وإمكانية استخدام محطة الرادار في أذربيجان لضمان أمن الولايات المتحدة.
ولعل الوزيرة الأميركية، التي ربما كانت تعلم من البداية أنها ستسمع نفس الردود والمواقف في كل لقاءاتها، اقتنعت بأنه لا بديل عن تقليص الأسلحة النووية الهجومية والدفاعية، وأن هذا الملف يشكل المحور الأساسي للسياسة الروسية الساعية لإحلال الأمن والاستقرار في العالم.
لكن يبدو أنها كانت تراهن على تباين في مواقف أطراف السلطة الروسية إزاء الملف الإيراني، قد يصلح كمادة للمساومة، باعتبار أن موسكو أعلنت عقب وصول كلينتون أنها تواصل تعاونها مع إيران، في مجال استخدام الطاقة الذرية في الأغراض السلمية، وأنه سيتم تسليم مفاعل بوشهر الذري صيف العام الحالي، ما دفع هيلاري لانتقاد هذا القرار باعتباره أمرا سابقا لأوانه وخطوة في الاتجاه غير الصحيح.
ولم ترض روسيا أن تغادر وزيرة الخارجية الأمريكية موسكو وهي تشعر باستياء من الموقف الروسي، أو بأن التعامل مع ما في جعبتها من ملفات، لم يقابل بمحاولة للتقارب من جانب المسؤولين الروس.
لذا وعقب لقائها مع الرئيس مدفيدف، أعلن سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، أنه في حال لم تنفذ إيران التزاماتها وتتجاوب مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا يمكن استبعاد إمكانية اللجوء إلى عقوبات ذكية يفرضها مجلس الأمن، على أن لا تسبب هذه العقوبات أضرارا للشعب الإيراني.
وليس مفهوما بعد، إن كانت العقوبات التي تقترحها الولايات المتحدة توافق هذه المتطلبات.
وما زال العديد من المحللين في الغرب يتحدثون بلغة الماضي، التي تعتبر انه يمكن شراء الموقف الروسي مقابل بضعة مليارات، ويؤكدون أنه لا بد من إغراء روسيا بمكاسب مادية، حتى تنضم للموقف الغربي الداعي لفرض عقوبات جديدة على إيران.
فيما يرى فريق آخر، أكثر واقعية في تحليل الوضع الراهن، أنه يمكن استدراج موسكو لتقف مع واشنطن ضد إيران بتقديم عرض مغرٍ لها، كرفض وضع الصواريخ الاعتراضية الأميركية في أوروبا الشرقية قرب روسيا، أو الدخول في تعاون معها لإقامة منظومة صاروخية دفاعية في أوروبا.
ولا شك أن هذا العرض سيكون مغريا، وسيضع روسيا أمام خيارين صعبين. لأن إيران ليست مجرد سوق بالنسبة للمنتج الروسي، وإنما هي جار استراتيجي، تتقارب مصالحه مع المصالح الروسية في حوض بحر قزوين ووسط آسيا والقوقاز.
وبصرف النظر عن الخلاف حول الملف النووي الإيراني، فإن بقية الملفات تفرض على موسكو ترويض هذا الجار وإيجاد لغة تفاهم معه.
لذا من المبكر الحديث عن تغير حقيقي في موقف الكرملين تجاه الملف الإيراني، لأن واشنطن تريد تنازلات بدون مقابل، وموسكو ما زالت تبحث سبل ترويض الجار الاستراتيجي.
كاتب روسي