منذ نحو 20 عاماً قضيت أسبوعاً في اليابان، لم يكن كافياً بالطبع لتكوين رأي في التجربة اليابانية في التحديث، وفي ما إذا كانت اليابان قد استطاعت تحقيق هذا التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الباهر، دون أن تفقد شخصيتها الثقافية المتميزة، وتقاليدها وقيمها الخاصة.
ومع ذلك، فحتى في تلك الزيارات القصيرة، لا يسع المرء إلا أن يكوّن بعض الانطباعات القوية، الإيجابية أو السلبية، وأن يصل إلى «حكم مؤقت»، يحتمل التعديل أو التثبيت في المستقبل، أو حتى التخلي الكامل عنه.
مما لاحظته من مشاهدتي القصيرة لبعض برامج التليفزيون الياباني، والتي تتخللها بالطبع الإعلانات على النحو الشائع في الغرب، عن سلع مقتبسة بدورها من نمط الاستهلاك الشائع في أوروبا والولايات المتحدة.
أن الفتيات اليابانيات اللواتي يظهرن في الإعلانات، كثيراً ما تكون لهن عيون ليس لها الطابع المميز للعيون اليابانية، بل لها الطابع الغالب في أوروبا وأميركا، حيث العيون أوسع وأكثر استدارة.
قلت لنفسي حينئذٍ إن المعلنين عن السلع يهمهم بالطبع أن يختاروا فتيات جميلات للظهور في إعلاناتهم، أو بالأحرى، فتيات يعتبرهن جمهور المشاهدين جميلات.
فإذا كانوا قد اختاروا فتيات لهن عيون أشبه بعيون الأوروبيات والأميركيات، فلابد أن المعيار السائد لما يعتبر وجهاً جميلاً أو لا يعتبر كذلك، قد استعاره اليابانيون من الغرب. أو بعبارة أخرى، استعار اليابانيون، ليس فقط التكنولوجيا الغربية، بل وأيضاً المعايير الغربية في الجمال.
خطر لي أيضاً أن هذا التفسير الذي وصلت إليه لما رأيته في إعلانات التلفزيون الياباني، إذا كان صحيحاً، فهو لا يخلو من طرافة. تصورت قبيلة تدخل في حرب ضد قبيلة أخرى، فتنتصر عليها بما تملكه من أسلحة متفوقة، وكانت النتيجة أن أخضعت القبيلة المنتصرة لسيطرتها القبيلة الأخرى، فحكمتها وقهرتها.
ونظر أفراد القبيلة المهزومة إلى من يحكمونهم، على أنهم ليسوا فقط أكثر تقدماً منهم تكنولوجياً، بل على أنهم أفضل منهم في كل شيء آخر، فراحوا يقلدونهم طِبقاً لقاعدة ابن خلدون الشهيرة، أن المغلوب مولع بتقليد الغالب.
ولكن الطريف في الأمر أن كان من سمات القبيلة المنتصرة أن لأفرادها (أو لمعظم أفرادها) أنوفاً كبيرة الحجم، وبشكل واضح، بالمقارنة بأنوف القبيلة المنهزمة.
كانت النتيجة أن تبنّى أفراد القبيلة المهزومة هذا المعيار في تعريف جمال الوجه، فاعتبروا من شروطه كبر حجم الأنف، بل وراحوا يفعلون المستحيل لزيادة حجم أنوفهم، إما بإجراء عمليات جراحية أو بإضافة مواد صناعية للأنف حتى يبدو أكبر حجماً منه في الحقيقة.
الأمر قد يبدو هزلياً، ولكنه يحتوي على جانب مأساوي أيضاً: أن تفقد الأمة ثقتها بنفسها، لمجرد أنها وجدت نفسها أضعف تكنولوجياً أو اقتصادياً، فراحت تقلّد الأمم المسماة بالمتقدمة، في كل شيء آخر، سواء تعلق بمعيار الجمال، أو نوع الزيّ، أو سبل المواصلات، أو وسائل الترفيه.. الخ.
إذا كان هذا هو شأن الطبيعة الإنسانية، فما الذي يمكن أن نتوقعه يا ترى مما أخذنا نلاحظه، خلال العقود الثلاثة الماضية، من تقدم اقتصادي وتكنولوجي سريع في دول شرقي آسيا: أولًا في المجموعة التي سميت بالنمور الآسيوية، وهي كوريا وتايوان وماليزيا وسنغافورة، ثم الصين ثم في الهند.
حتى كثرت التوقعات بأنه ليس أمامنا عقود كثيرة، قبل أن تصبح اقتصاديات هذا الجزء من القارة الآسيوية أكبر من الاقتصاد الأميركي، وأن ينتقل مركز الاشعاع الاقتصادي والتكنولوجي من الغرب إلى الشرق.
لنفرض أن هذا حدث بالفعل، فما المغزى الحضاري لهذا الانتقال؟ أو بعبارة أخرى، إلى أي مدى سوف تبدأ الدول الأقل نجاحاً في النمو الاقتصادي والتكنولوجي، والتي عرفت من قبل باسم العالم الثالث أو العالم المتخلف، في الاقتباس من الشرق بدلًا من الغرب؟
والى أي مدى سوف تقتبس هذه الدول أنماط الحياة والمعايير الجمالية والأخلاقية، من الشرق بدلًا من الغرب؟
هل نستغرب أن يأتي اليوم الذي يفضل فيه المعلنون عن السلع في إفريقيا أو الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية (بل وربما حتى في أوروبا وأميركا)، استخدام وجه فتاة صينية أو هندية جميلة لترويج سلعهم، على أساس أن معيار الجمال الآن قد أصبح شرقياً؟
قد يبدو المثال تافهاً، ولكنه قد يرمز إلى أشياء أكبر خطراً بكثير. إنه إذا حدث هذا التحول الخطير من الغرب إلى الشرق، فإنها ستكون أول مرة ينتقل فيها مصدر الإشعاع الحضاري منذ خمسة قرون على الأقل، وسيظهر بوضوح غير مسبوق، مدى خصوصية الحضارة الغربية.
بل قد أذهب إلى حدّ التساؤل عما إذا كان ما اصطلحنا على تسميته «حضارة» (على أساس صلاحيتها وملاءمتها للناس جميعاً، أياً كانت ثقافتهم)، ليس في الحقيقة إلا «ثقافة» (culture) من بين ثقافات عديدة، لم تحصل على ما حصلت عليه من امتياز، إلا بسبب سبقها التكنولوجي!
كاتب ومفكر مصري