ماذا لو حلّ على فرنسا قَدَرُ العودة إلى اليسار؟

من شأن ذلك لو حصل بالفعل، أن يحقّ القول بأن عدوى التحولات اليسارية التي جرت في غير بلد أوروبي، أخذت تشق مسارها في أرض الجمهورية الخامسة.

بل إن ثمة من يذهب إلى الكلام على تهافت طائفة من نظريات العولمة، وفي مقدّمها نظرية «نهاية التاريخ» التي رافقت سقوط الشيوعية، ومعها معظم تيارات اليسار القومي في أوروبا والعالم.

لم يكن لهذا الكلام من مبررات إضافية، لولا أن هزّت انتخابات المناطق في فرنسا مؤخراً، أركان الساركوزية، ووضعت ما سُمِي ب«الجمهورية السادسة» على شفا حفرة من التداعي..

الذي حصل قبل أسبوعين، حيث اكتسح اليسار غالبية المناطق (25 منطقة من أصل 26)، يفتح على نشأة أخرى للخارطة الداخلية في فرنسا، من معالمها استعادة اليسار لحيوية سياسية أنزلتها الليبرالية الجديدة منازل سوء، لم تشهد لها مثيلاً منذ نهاية الحرب الباردة.

دلالة الحدث على محدوديته، تبدو عميقة: من جهة، لأن الساركوزية أرادت أن تستهل مشروعاً ليبرالياً، يطوي زمناً مديداً من الميراث الكلاسيكي للجمهورية الخامسة. ومن جهة ثانية، لأن مثل هذا المشروع بدا وكأنه مولود شرعي لحقبة المحافظين الأميركيين الجدد التي راحت تتداعى، وهي في مقتبل العمر.

هل يعني ذلك أن الساركوزية المحكومة بالولادة المشار إليها، ستنتهي إلى ما آلت إليه المنظومة الثقافية للمحافظية الأميركية الجديدة؟

إذا كانت المقدمات تفضي إلى النتائج المطابقة لها، فإن مقدمات الخطبة الساركوزية عند وصولها إلى الحكم، تسمح بإشارات مهمة على هذا الصعيد.. ولنا أن نعود قليلاً إلى الوراء لنرى طبيعة المشهد..

حين شعر الرئيس ساركوزي بأنه اجتاز العتبة الأخيرة من السلّم الرخامي لقصر الإليزيه، كان عليه يومها أن يقول للفرنسيين: ها قد أصبحتم في زمن آخر.. وإذاً، عليكم أن تتهيّأوا لنسيان الماضي، وتطمئنوا إلى أنكم على أبواب ولادة جديدة لجمهورية سادسة..

كأنما أراد نيكولا ساركوزي في الكلام على نهاية زمن وبداية آخر، أن يجعل من قدومه إلى عرش فرنسا أطروحة تشغل الخصوم والأصدقاء لأعوام طويلة.

حتى لكأن ذلك القادم على صهوة اليمين الجديد، كان يتوسل حلماً ب«ساركوزية» لا قبلها ولا بعدها.. وبأنساق سياسية جديدة، تقطع مع الماضي بعاداته، وأنماطه، وسلوكاته، وأفكاره المكتظة بالرتابة والوهن.

في الداخل سيأخذ ساركوزي من فلسفة الليبرالية الجديدة عصارة فهمها للعلاقات التي تحكم دولة حديثة كفرنسا، وسيقول للفرنسيين: اعملوا... ولا تتكاسلوا. والأجدر من بينكم هو الذي سيحظى بالسعادة وأنظمة الرعاية الاجتماعية.. أما الكسالى والعاطلون عن العمل، فإنهم سيظلون لعنة فرنسا الدائمة.

أما في الخارج، فقد أعلن خياره الاستراتيجي: العالم الحر تقوده أميركا. وفرنسا الحرة لا مناص لها، لكي تبقى على خيار الحرية، إلا الاستئناس لتلك القيادة، ولو على نصاب الأحادية الصارمة.

في الشرق الأوسط، لم يحد ساركوزي عن هذا الخيار. والذين عرفوه قالوا آنذاك، إن لديه قابلية الاستعداد للمضي إلى أبعد مما مضى إليه سلفه جاك شيراك.. إسرائيل عنده أشبه ب«فيزياء سياسية مقدسة».

فإنها «قبلته» و«محجته» على ما يقول ضحايا أحداث الضواحي الباريسية. ولم يكن من وجه المصادفة، أن يبتدئ حملته الرئاسية بزيارة النصب التذكاري لمحرقة اليهود في القدس المحتلة.

ثم لتكتب عنه «يديعوت أحرنوت» بما لم يُكتب عن أي فرنسي من قبل: «إن الجذور اليهودية للرئيس الفرنسي الكاثوليكي، أنعشت آمالاً كبيرة في إسرائيل».

أما صحيفة «معاريف» فقد وصفت نجاح ساركوزي ب«الثورة التي سمحت لصديق واضح لإسرائيل بالوصول إلى الإليزيه، للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة».

لكن ساركوزي الذي ظل يشتغل بدأب على نفسه، وهو يقود الأمن السياسي عبر وزارة الداخلية، كان واثقاً من النصر حتى درجة اليقين.

أوروبا معه، وأميركا، وكذلك اللوبي اليهودي المنتشر كشرطة الآداب في كل مكان في الغرب، معه أيضاً. ثم كان عليه أن يظهر إلى الملأ بشهادة حسن سلوك: الولاء لكل هؤلاء الذين أيّدوه...

وفي المقابل لا مكان لتركيا المسلمة داخل الاتحاد الأوروبي. وأما المهاجرون، ولاسيما المسلمون منهم، فلا ينبغي لعين المراقبة أن تغضّ الطرف عنهم لحظة من نهار.

في الأيام الأولى لرئاسته، قال كثيرون إن وراثة ساركوزي لمآثر شيراك وتجاربه في السياستين الداخلية والخارجية، سوف تضاعف من أثقاله وتجعل رحلته داخل قصر الإليزيه مملوءة بأسئلة لا تفارقها الشكوك.

بعد نحو ثلاث سنوات على مكوثها في الإليزيه، ها هي الساركوزية تدخل حقول المساءلات الأشد قسوة.

فلسوف نجد الرئيس الفرنسي اليوم يواجه رزمة هائلة من المشكلات، أهمها عودة المنازعة بين العلمنة والإيمان الكاثوليكي الصاعد، ومنها أيضاً الاحتدام الذي أطلقته العولمة وتجلّى بولادات جديدة لصراعات طبقية واجتماعية، أعادت ذاكرة الفرنسيين إلى عصر «كومونة باريس» وأحلام الماركسية الأولى..

الرئيس ساركوزي هو الآن على الضفة الأخرى من التجرية. وفي وسعه أن يذهب إلى الحد الأقصى من طموحاته ورغباته. لكن الرجل سيبقى في حيرة من أمره.. من أن خطباً جللاً قد يطل عليه كل لحظة، لينذره بسوء الخاتمة..

باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com