بعد أن أسدل الستار على الانتخابات العراقية وأعلن فوز الكتلة الائتلافية العراقية بقيادة إياد علاوي، بدأت التكهنات من جديد حول شكل الحكومة العراقية الجديدة التي بات نجاحها وفشلها على المحك، خاصة وأن علاوي بدأ باكراً في توضيح توجهات كتلته، ورغبتها في قيام ائتلاف مع الكتل والائتلافات الأخرى.

ولاسيما قائمة «دولة القانون» التي يتزعمها رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي، إلا أن الأخيرة تظل حتى هذه اللحظة متحفظة على نتائج الانتخابات، وتصر على تقديم الطعون في العملية الانتخابية، خاصة وأن «معلوماتها» تشير إلى حدوث تلاعب في عملية فرز الأصوات في مدينتي بغداد والموصل.

وفي غمرة الارتياح الذي يشعر به المراقب لانتهاء عملية الانتخابات في العراق، يشعر البعض ان المستقبل ليس وردياً، وأن الطريق أمام تشكيل حكومة في الفترة المنظورة سيكون محفوفاً بالتحديات، خاصة وأن العراق لا يزال أمامه الكثير من المشاريع السياسية، التي لا بد من إرسائها لانتشال العراق من براثن الضعف الذي يعشعش في زواياه.

ولعل المصالحة الوطنية، التي تظل هاجس كل عراقي يريد أن يشعر بانتمائه لأرض واحدة وروح واحدة، بعيداً عن الاعتبارات الطائفية والإثنية والدينية، تبدو متأخرة ضمن قائمة أولويات علاوي. فالمتبع لمشاريعه المستقبلية، يجد أنها تركز منذ الآن على غلق ملفات العراق المفتوحة مع جيرانه.

سواء مع الكويت أم إيران أم تركيا وغيرها، وذلك من أجل بدء صفحة جديدة تقوم على المحبة والإخاء، حيث إن استقرار العراق من وجهة نظر «علاوي»، هو في استقرار المنطقة التي لن تظل طويلاً تحت حماية الولايات المتحدة.

وإذا كانت الحكومة العراقية الجديدة تواجه في الفترة القادمة وضعاً داخلياً صعباً، متمثلاً في قضايا الفساد والبطالة، وتفاقم شعور التشرذم والانقسام لدى المواطن العراقي، والأصعب الفراغ الأمني الذي يمكن ان يتركه انسحاب القوات الأميركية في نهاية العام 2011.

فإنه على الصعيد الخارجي يظل العراق واقعياً الحلقة الأضعف، خاصة من حيث تعزيز مسألة السيادة، وضرورة وضع حد لتدخل الجيران في شؤونه السيادية.

والتساؤلات التي تخيّم على التحركات السياسية لتشكيل حكومة ائتلافية تضم جميع القوائم والكتل، تتخلص في مدى إمكانية نجاح علاوي في إرضاء الأطراف التي شعرت بأنها خذلت من جديد في الفوز في الانتخابات؟

ومن ناحية أخرى، هل التشكيل الحكومي الجديد سيكون بمنأى عن تحركات طائفية تؤجج الوضع الأمني في البلاد لخلق عدم استقرار مقصود لإفشال المشروع السياسي للائتلاف؟

لعل الواقع يحمل بذرة المستقبل، والحقيقة أن عملية الانتخابات كفعل ديمقراطي، ينظر إليها عالمياً كعامل مساعد على تقليل الصراع وتخفيف حدته، إلا أنها أثبتت في كثير من الدول، ولاسيما العراق، أنها لا تترك إلا أثراً متواضعاً على استقرار الدول.

وهذا ما ذهب إليه رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية ريتشارد هاس، حين اعتبر العراق نموذجاً للدول الفاشلة.

فهاس يرى أن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة قد يستغرق شهوراً، وتفعيلها سيكون أكثر صعوبة، لأن البلاد لا تزال هشة والانشقاقات بين الأكراد والعرب وبين السنة والشيعة لا تزال قائمة، ولا يوجد إجماع وطني حول سبل تقسيم الثروة النفطية.

وبالحديث عن الثروة النفطية العراقية، فإن عمليات استثمار النفط في العراق التي بدأت مع عدد من الشركات الأجنبية، تواجه اعتراضات من خبراء وسياسيين، بسبب ما يقولون إنه أكبر عملية رهن لثروة العراق النفطية منذ تأميم النفط العراقي في يونيو 1972.

فهذه الشركات تتقاضى أجراً عن الإنتاج الإضافي المتحقق كزيادة فوق معدل الإنتاج الحالي للحقول المنتجة، وهو ما يسمى بعقود الخدمة المعيارية.

ومن وجهة نظر بعض المتخصصين، فإن هذه العقود مقدمة لاحتلال العراق اقتصادياً، فقد منحت امتيازات لا يمكن تصورها للشركات الأجنبية، بسبب قلة خبرة المفاوض العراقي وحنكة المفاوض الأجنبي.

وفي هذا الواقع يتطلع علاوي معلناً أن الشعب العراقي قد اكتفى من المآسي والفقر والترويع، وآن أوان استقراره واستفادته من ثرواته، فهل يستطيع علاوي أن يحقق من خلال خطابه هذا شروط العدالة والمساواة لهذا الشعب، بالعمل على تحرير الثروة البترولية من الاحتكارات، من خلال إعادة النظر في قانون النفط والغاز للثروة النفطية العراقية؟

إن مشروع بناء الدولة العراقية سيظل هو هاجس العراقيين، بل هاجس العرب، ولكن حتى نسترجع بعض إنجازات الماضي للعراق، لا بد من فهم الحقائق التي حدثت بعد الاحتلال الأميركي.

فمع توالي حكومات ما بعد الاحتلال، لا يزال العراق ضعيفاً ومنقسماً وطائفياً، ولا يزال الغياب الأمني يلعب دوراً في إجهاض أية محاولة لإرساء قواعد البنية التحتية وتدوير عجلة التنمية.

بل إن هناك من ينظر بقلق إلى اعتزام الولايات المتحدة سحب قواتها بحلول نهاية 2011، والتخوف الأكبر من قيام إيران بمد نفوذها الذي كرسته في العراق منذ الغزو عام 2003، والتي تقول بعض الآراء إنها الرابح الرئيسي منه.

وهذا ما يؤكده بعض المراقبين، ومنهم جوست هيلترمان نائب مدير برنامج المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فهو يرى انه «أياً كانت نتائج الانتخابات، فإن الاستقرار قد يراوغ العراق حتى يتوصل ساسته لاتفاقات أساسية بشأن السلطة والأراضي والموارد.

فالولايات المتحدة خلقت واقعاً جديداً في العراق، وعليها أن تساعد العراقيين على إبرام هذه الاتفاقات لتحقيق مصالحة طائفية وعرقية حقيقية، حتى إذا كان ذلك يعني تأجيل سحب قواتها».. فهل إرادة العراق في النجاح أقوى من معطيات الفشل؟!

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com