تخيل نفسك تجلس في كرسي الحلاق، بينما الآخر يمرر شفرته الحادة على ذقنك مشدود الأعصاب، يعتصر صدره الاكتئاب، كارهاً للدنيا وما فيها، ساخطاً، حزيناً، قد تفلت أعصابه في أي وقت!!

هذا حال العديد من الحلاقين الذين حرمتهم مهنتهم وعنجهية أصحاب المحال التي يعملون بها من إجازة أسبوعية ينفسون فيها عن أنفسهم ويريحون أعصابهم وأيديهم من المقص والشفرة والمشط، يتفسحون، يتنزهون.

ويمارسون الحياة كغيرهم من العاملين والموظفين. عدد كبير من الحلاقين، خصوصاً حلاقي الدرجة الثانية والثالثة، البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة، أولئك الذين يخشون من الذهاب إلى وزارة العمل للشكوى نتيجة التهديد بالطرد والتسفير خارج البلاد من قبل أصحاب المحال.

فليس للحلاقين عطلة أسبوعية يلزم بها أصحاب المحال، وإذا كانت، فإنها مدونة في ورق عقود العمل ولا تطبق في الواقع. الحلاقون أكثر الناس إصابة بدوالي الأرجل كما يقول أغلبهم من كثرة الوقوف لساعات طويلة طوال ساعات العمل الطويلة أيضاً. وبلا إجازة أسبوعية.

في العديد من البلدان العربية تعارف الناس على أن يوم الاثنين، هو يوم إجازة الحلاقين، وتعارف الناس ألا يذهبوا في هذا اليوم إليهم، والا يحلقوا أيضاً، وصار الأمر عرفاً.. وحكاية «اثنين» الحلاقين.

ويقال إن الحلاقين اختاروا هذا اليوم اختياراً ذكياً، وبناء على موعد العطلات الدينية، فالمسلمون يتزينون يوم الجمعة، واليهود السبت والمسيحيون يوم الأحد، وحينما يأتي يوم الاثنين يكون الجميع قد «حلق» فيرتاح الحلاقون في اليوم الرابع ليواصلوا العمل يوم الثلاثاء بعد أن تكون اللحى قد طالت.

هذه شكوى من حلاق آسيوي مغمور لا حول له ولا قوة، لا يستطيع الشكوى في وزارة العمل للحصول على إجازة أسبوعية لخوفه من «أربابه» ولا يستطيع الحديث معه خوفاً من التسفير..

صاحبنا الحلاق البسيط يعيش في دبي منذ أكثر من 18 عاماً هي سنوات عمله خلف كرسي الحلاقة، هل تصدقون أن هذا الحلاق لا يعرف طوال هذه السنين إلا طريقاً واحداً يسلكه كل صباح من مقر إقامته إلى دكان الحلاقة الذي يعمل فيه. لا يعرف أين وصلت البلاد، لا يعرف مكان لحديقة تريح أعصابه، وفرصة للذهاب إلى الأسواق ولا حتى مشاهدة فيلم، كعادة العاملين الآسيويين!

18 عاماً خلف كرسي الحلاقة. رحلته الوحيدة تأتي دائماً كل عامين أو ثلاثة أعوام حينما يسافر إلى بلاده، فرحلة التاكسي إلى المطار هي المتعة التي ينتظرها والفرصة التي يكحل فيها بصره بالفضاء وما فيه من حوله.. يتأمله ملياً ويملأ عينه بمفرداته، يخزن الصور في ذاكرته، فهذه الرحلة لن تأتي إلا بعد سنين خلف كرسي الحلاق، وحينما تأتي المناسبة!!

مطلوب عطلة للحلاقين من الدرجتين الثانية والثالثة أثابكم الله.

mhalyan@albayan.a