بدأ حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، الأسبوع الماضي، مشاورات مع أحزاب المعارضة، حول مشروع لتعديل بعض مواد الدستور الذي ينوي الحزب طرحه، والمتوقع أن يفتح الباب أمام توترات جديدة بين الحزب وكل من التيارين القومي والعلماني.

وأعلن نائب رئيس الوزراء جميل جيشيك «يبدو أنه من الصعب المضي قدما في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مع الدستور الحالي».

وأضاف أن قادة حزب العدالة والتنمية سيجتمعون مع أحزاب المعارضة «لشرح ضرورة مراجعة نص الدستور»، لتصبح تركيا ملتزمة بالمعايير الأوروبية، ذلك أن الاتحاد الأوروبي يطالب بتعديل الدستور التركي، الذي تم إقراره عام 1982 إثر انقلاب عسكري، كشرط لانضمام تركيا إليه.

وينص التعديل المقترح على تغيير طريقة تعيين قضاة الهيئات القضائية العليا المعارضة لتوجهات الحزب الحاكم، الذي يتزعمه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، واتخاذ تدابير لجعل إجراء قرارات حل الأحزاب السياسية أكثر صعوبة.

كما تشمل التعديلات طريقة اختيار قضاة المحكمة الدستورية، بحيث ستتم زيادة عددهم من 11 إلى 19، يقوم البرلمان بتعيين ثلاثة منهم ويعين الرئيس باقي الأعضاء.

وفي الوقت الذي تقول فيه الحكومة إن التعديلات تهدف إلى التكيف مع معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فان المعارضين للتعديلات يقولون إن رئيس الحكومة يريد السيطرة على المعقل الباقي للنخبة العلمانية، وهو المؤسسة القضائية.

وكانت هذه المؤسسة هي العائق الذي وقف أمام تطبيق العديد من بنود برنامج العدالة والتنمية، خاصة في ما يتعلق بارتداء الحجاب في دور العلم وغيرها. كذلك أوقفت المحكمة الدستورية العليا العديد من قرارات الحكومة، واعتبرت أنها غير دستورية. والتشكيل الجديد سيمنح رئيس الوزراء القدرة على إدخال قضاه قريبين لفكر الحكومة إلى هذه المحكمة.

وتظهر استطلاعات الرأي أن الحكومة تدخل معركة التعديلات وهي تتسلح بدعم الرأي العام التركي، حيث أجرت ثلاث شركات مختلفة متخصصة في جمع واستقصاء الرأي العام في تركيا، استبيانا حول التعديلات الدستورية التي تجريها الحكومة التركية.

وتركز سؤال الاستبيان في «هل توافق على التعديلات الدستورية عند طرحه عليك في الاستفتاء الشعبي العام؟»، وكانت الإجابات التي أسفرت عنها الاستبيانات الثلاثة متقاربة إلى حد كبير، حيث تراوحت بين 58% و59% أيدت التعديلات الدستورية.

ولا شك أن نتيجة هذه الاستبيانات تمثل دعما لموقف حكومة العدالة والتنمية في ممارسة ضغوطها داخل البرلمان، للموافقة على هذة التعديلات الدستورية.

وعلى الرغم من ذلك فان الأحزاب المعارضة انتقدت هذه التعديلات المقترحة، حيث صرح زعيم حزب الشعب الجمهوري دنيز بيكال بأن «قلق حزب العدالة والتنمية حيال إمكان حله ومحاكمة قادته يوما ما، هو من الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى إعداد مثل هذا التعديل».

فيما رفض حزب العمل القومي اليميني أيضا دعم التعديلات المقترحة، التي ستعرض على التصويت بعد أيام.

وإذا كان الحزب الحاكم يتمتع بغالبية كبيرة في البرلمان، إلا انه يحتاج إلى دعم المعارضة لتمرير التعديلات، الأمر الذي جعله يهدد بتنظيم استفتاء كإجراء أخير لإقرارها، إذا لم تحظ بالغالبية المطلوبة داخل البرلمان، وهو ما دفع نائب رئيس الوزراء إلى التأكيد على أن الحزب سيجري حوارا مع الأحزاب المعارضة، من اجل تعديل الدستور.

وهذه التعديلات لا بد من ربطها بالخلاف الحالي بين الحكومة والمؤسسة العسكرية التركية، على خلفية التحقيق مع بعض ضباط الجيش السابقين بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري.

حيث يرى البعض أن الخلاف دفع الحكومة إلى الخوف من تدخل المؤسسة العسكرية ضدها، عبر حل حزب العدالة والتنمية، وكان الرد من قبل الحكومة هو أن تجعل حل الحزب أمرا صعبا أمام الجيش، وهي تريد أن تظهر للشعب التركي الحريص على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

أن النخبة العلمانية التي سترفض التعديلات هي التي تحول بينهم وبين حلمهم الأوروبي، وهو الأمر الذي يعني أن حزب العدالة والتنمية يريد أن يستبق قرار الاتحاد الأوروبي الخاص بتركيا، لكي يخلي مسؤوليته عنه، أو أن يستفيد من المفاوضات الجارية حاليا من اجل تحقيق مصالح سياسية داخلية.

وبالطبع لا يستطيع المرء أن يتكهن الآن حول ما إذا كانت الحكومة ستنجح في تمرير هذه التعديلات، ولكن الذي نستطيع قوله هو أنها بهذا الاتجاه سوف تفتح الباب أمام استقطاب سياسي جديد، بعدما استطاعت عبر تجربتها في الحكم منذ نهاية عام 2002.

أن تنهي الاستقطاب الذي شهدته تركيا بصورة تدريجية وعبر الممارسة العملية، لكنها بعد أن تأكدت من شعبيتها وقوتها، يبدو أنها تريد أن تغير من قواعد اللعبة السياسية التي تشهدها تركيا منذ سنوات، وهو أمر قد يفتح الباب أمام صراع سياسي واستقطاب، قد يؤثر بالسلب على تركيا.

وبالطبع لن تحصل الحكومة على التفويض المطلوب عبر البرلمان، بسبب توازنات القوى داخله، لكن لجوءها إلى الاستفتاء، قد يعني مواجهة مفتوحة بينها وبين النخبة العلمانية، سواء العسكرية أم المدنية، وهو أمر لا نستطيع أن نتوقع نتائجه في الوقت الراهن.

وان كانت هناك فرصة بالطبع أمام الحكومة لأن تجري توازنات مع الأحزاب والنخبة، من اجل الحيلولة دون حدوث الاستقطاب المتوقع. فأي طريق سيختار حزب العدالة والتنمية؟

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com