لا يخرج المسرح من دائرة الترفيه والجمال والفن للفن، فهذا الأمر مشروع وابتدعه الإنسان من أجل ساعات صفائه ومن أجل تأمل حياته، ولهذا لا يمكن أن يتهم المسرح حينما يذهب لإسعاد الناس وإدخال البهجة والسرور إلى نفوسهم، فهو يحمل هذا الهدف، مثلما تحمله بقية صنوف الإبداع، ويحمل هذا الهدف مثلما يحمل هدف التنوير ويحمل هموم الإنسان، ويحمل فكره وفلسفته وعذاباته.

وفي الإمارات وجد الناس في المسرح هذين الوجهين، قبل أكثر من خمسين سنة، حينما كان بعض المولعين والمدركين لأهمية هذا الضرب من الفنون يؤسسون مسرحياتهم البدائية الصغيرة في حفلات الكشافة والأندية الثقافية والرياضية.

رعيل المسرحيين الأول، أسماء بعضها غاب عن دنيانا، وبعضها ما زال باقيا يرقب التطور عن بعد وبصمت. بالأمس، أسدل الستار على الدورة العشرين لأهم مهرجان مسرحي في المنطقة، أيام الشارقة المسرحية، وسط حضور لافت في فعالياته لنجوم ورواد مسرحيين عرب وخليجيين.

وبالطبع مسرحيونا في الإمارات، وفي الأيام العشرة التي هي عمر المهرجان، كان الحديث يتغلغل في أهمية دفع المسرح إلى مقدمة الاهتمامات كونه اللصيق بالتنوير والتأثير في الجمهور، وكونه فنا قادرا على ان يرفع الراية دوما في وجه ظلم واستبداد قوى الشر.

وقادرا على حمل خطاب الأمة الثقافي والإنساني، وذهب المسرحيون إلى الحديث عن هوية الحضارة العربية وحضورها وما تواجهه من استلاب، حديث القلق من مصير جيل يتربى منسلخا عن أصولها وأصالتها، مستسلما لأغبرة ثقافة الاستهلاك، التي يراد لها ان تزكم الأنوف وتثبط هم الشباب العربي.

ودافع المسرحيون عن أهمية ان يكون للمسرح دور في التربية ونشر الوعي وإثارة الهمم، لمواجهة ذلك الانسلاخ الثقافي الذي صار يجتث الأجيال من جذورها ويخطفها إلى دوامات الخنوع والاستسلام.

وختم هذا الخطاب الذي تردد في أروقة المهرجان في أيامه العشرة، مطالبة الفنان الكويتي المخضرم سعد الفرج بحاجة المسرح العربي إلى عودة قوية لممارسة أدواره التنويرية، التي مارسها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، يوم كان خطاب الإبداع أكثر رصانة من خطابه المبتور اليوم.

أمام هذا اللهاث الحميم والمحموم للمسرحيين العرب لتقويم مسيرة مسرحهم العربي يبرز واقع هذا المسرح كعقبة، فاليوم لا يعاني المسرحيون فقط من مواجهة ثقافة التسطيح، بل يعانون من هزالة الدعم والاهتمام، فبالرغم من كل محاولات النهوض، مازال المسرح في آخر قائمة الاهتمامات وما زالت بنود الصرف المادي عليه، تشبه بنود الصرف على الشاي والقهوة في موازنات وزارات الثقافة العربية!

mhalyan@albayan.a