أمر غريب أن (يحار) الشعب أمام ما قد سبق وإن (اختار)، خاصة عندما يكون شعبا مختلفا عن كل شعوب العالم باعتبار أنه ينتمي إلى مجموعة محددة من دول العالم التي تطلق على نفسها: (المتحضرة) وتطلق علينا هكذا (دول العالم الثالث). ومن أكثر الدول تقلباً في الإبقاء على تيار واحد، هي فرنسا، على عكس جاراتها ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وبريطانيا.
فمنذ أن عرفت الجمهورية الفرنسية طريقها إلى حق الانتخاب وهي تعيش في حيرة ما بعد الاختيار. وهذا الانشقاق أصبح في نهاية الأمر أشبه بصيحات الموضة المتكررة. فما إن يتم اختيار رئيس حتى تقوم عليه القيامة حتى من بين مناصريه فيتم إسقاطه أو سحب الثقة منه ومن حكومته.
وقد تكرر في تاريخ فرنسا وبشكل لافت للنظر أن يكون رئيسها يمثل أحزاب اليمين ورئيس حكومته أحزاب اليسار، والعكس. فلا اليمين يعجب الفرنسيين ولا اليسار.
وقد اتهمهم الجنرال شارل ديغول فيما مضى بأنهم شعب متقلب ومن الصعب إرضاؤه. وقال جملته المشهورة: (كيف تريدون مني أن أحكم شعباً ينتج 246 نوعاً من الأجبان؟). بالطبع هذه المقولة مضى عليها أكثر من خمسين عاما، والفرنسيون أصبحوا أكثر صعوبة وعنادا لأنهم ينتجون اليوم أكثر بكثير من ذلك العدد من الأجبان.
وقبل أيام واجه نيكولا ساركوزي ـ آخر رئيس فرنسي ـ كما واجه سابقوه نفس المصير. فما مضى على توليه زعامة فرنسا سوى عامين حتى أظهر الفرنسيون من جديد تذمرهم الدائم من رئيسهم أو من حكومتهم أو من وزرائهم.
بالطبع هو ليس فقط رئيس فرنسا بل رئيس حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، وخسر هذا الحزب في الجولة الثانية من الانتخابات الإقليمية. وبالتالي يترتب عليه أن يعيد حساباته من جديد. وكما يحدث في ساحات ملاعب كرة القدم، فإن خسارة الفريق تؤدي حتماً إلى إقالة المدرب، حتى ولو لم يكن هو السبب المباشر في الخسارة، ولكن التضحية تكون دائما بالقائد.
ساركوزي أراد أن يبرئ نفسه ويجعل من رئيس وزرائه كبش فداء، خاصة وأنه قيل وكتب عنه الكثير بعد طلاقه من سيسليا وقبلها من ماري دومينيك، وأخيراً زواجه بكارلا بروني، وحبه لمتع الحياة والظهور في الإعلام وزلات لسانه وتنقلاته الكثيرة وعدم امتلاكه على سبيل المثال لثقل وكاريزما شخصيات كبرى حكمت فرنسا على مر التاريخ على وزن شارل ديغول وجورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وميتران وشيراك.. فكانت ردة فعله بعد الخسارة الأخيرة : التعديل في الحكومة!
لقد واجه الرئيس الفرنسي منذ أن انتقل إلى قصر الإليزيه العديد من التحديات والقضايا الشائكة، لم يستطع التوصل إلى حلها بشكل مرض لشعبه قبل نفسه.
وعلى رأسها البطالة وغموض المستقبل الاقتصادي لفرنسا ومشاكل الأمن والهجرة وتحسين علاقاته مع منطقة الشرق الأوسط. غير أن الفرنسيين ليس لديهم الصبر الكافي لمنح رئيسهم أياً كان فرصة كافية لحل مشاكلهم، ولا تفهماً للأوضاع العالمية السائدة التي تخرج عن سيطرته. فكان عقابهم له إجباره على الخسارة في الانتخابات الأخيرة.
وهي آخر انتخابات إلى أن يحين موعد الانتخابات الرئاسية القادمة. وقد وضعت هذه الخسارة ـ وهي كما يقول الفرنسيون عنها مجرد قرصة (وبعضهم قال عنها صفعة معلم على إذن طالب ـ الرئيس ساركوزي في موقف لا يحسد عليه.
فالأزمة العالمية قد تزيد من مشكلة البطالة التي زاد معدلها على العشر بالمائة. ويعلم الفرنسيون بأن هذه القرصة أو الصفعة المؤلمة قد تضاف إلى آلام رئيسهم الذي يعاني فيما يبدو من بعض الصعوبات البيتية رغم نفيه لها ـ حيث انتشرت الشائعات في الأيام الأخيرة بخصوص مصير زواجه بعارضة الأزياء المغنية الإيطالية المولد كارلا بروني لأسباب يعرفها الاثنان والمقربون لهما.
وذهب بعضهم إلى التهكم من رئيس يقضي معظم وقته متنقلًا من زوجة إلى أخرى والعالم يواجه كوارث اقتصادية وبيئية وأمنية واجتماعية لا حصر لها.
وربما ما تسبب في زيادة خسارته الأخيره سياسته الداخلية بالنسبة للمهاجرين. ومن ثم بالنسبة للحجاب. وهو يدرك تماماً أن الدين الإسلامي يأتي في الدرجة الثانية من حيث الانتشار في فرنسا بعد المسيحية.
وأن عدد المسلمين في فرنسا وفق ما صرح به ساركوزي نفسه قبل أن يصبح رئيسا لفرنسا، يتراوح ما بين 5 و 6 ملايين نسمة. وليس لدينا رقم مؤكد بالنسبة لعدد المسلمين ممن يحملون الجنسية الفرنسية، ولكنه رقم لا شك مهم، ويلعب دورا كبيرا في مسائل الانتخابات.
أحزاب اليسار التي تشعبت وانقسمت على نفسها، وتفككت وتغلبت لديها مصلحتها الخاصة على المصلحة العامة قبل وأثناء وبعد الانتخابات الرئاسية قبل عامين، بدأت تسترجع نشاطها أملاً منها في استرجاع ماضيها الذي دفن مع فرانسوا ميتران.
ولكن هذا لا يعني أن اليسار إن نجح هذه المرة في التغلب على خصمه اليميني بضربة قاضية قد يسلم هو بدوره من ضربة قاضية أخرى من الشعب الفرنسي الذي لا يعجبه العجب.
المشكلة في مثل هذه الانتخابات الديمقراطية هي الشعارات التي ترفع أثناء الحملات الانتخابية والنقد الموجه للخصم ولسياساته، وعندما يصل هذا إلى سدة الحكم يمارس نفس سياسة خصمه وعندما ينتقده خصمه على سياسته يدافع عن سياسته التي هو نفسه انتقدها لدى خصمه سابقاً.
مسألة معقدة، أليس كذلك؟
جامعة الإمارات