بينما كان جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، قد قدَم إلى إسرائيل لإعادة تأكيد الأهمية الحاسمة للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في إطار الملف النووي الإيراني، قوبل بموقف عدائي سياسي سافر. وهذا يبيّن حقيقة الرفض المنهجي والمصمم للقادة العبرانيين لأي استئناف حقيقي لمفاوضات السلام التي كان بايدن ينوي أيضاً العمل على إطلاقها بصورتها غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لقد أعلن وزير الداخلية الإسرائيلي، عندما كان نائب الرئيس الأميركي في إسرائيل، عن بناء 1600 وحدة سكنية جديدة في أحد أحياء القدس الشرقية والذي يتواجد فيه عدد كبير من المستوطنين اليهود المتطرفين. هذا القرار يشكّل بحد ذاته برهاناً إضافياً على أنه لن يمكن تحقيق تقدم جدير بهذه التسمية دون القيام بضغوط سياسية قوية على الحكومة العبرية.
وكل ما كان قد قيل عن المفاوضات غير المباشرة بعد تجميد للاتصالات الرسمية طيلة 15 شهراً لا يشكّل تقدّماً بل ربما بالأحرى تراجعاً بمعنى ما، حيث لا يمكن القيام فيها إلاّ بواسطة جورج ميتشل، مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى الشرق الأوسط. إن هذا الوضع، رغم التصريحات المهدئة أحياناً، يبيّن عمق الهوّة التي تفصل بين مواقف الفلسطينيين والإسرائيليين.
ومنذ عدوان غزّة يرفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس أي اتصال مباشر مع الإسرائيليين إذا لم يتم تجميد عملية الاستيطان. للتذكير كان عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفّة الغربية قد زاد بنسبة 9,4 بالمائة عام 2009 ليصل عددهم الإجمالي إلى 301000 وهناك 200000 يهودي يقيمون في الأحياء العربية من القدس، هذا مع الازدراء الكامل للقانون الدولي.
وليس بعيداً عن ضغوط واشنطن إعلان الجامعة العربية في الثالث من الشهر الجاري عن دعمها لفتح باب المفاوضات غير المباشرة مما سهل أمام الرئيس الفلسطيني قبول مبدأ استئناف الاتصالات. وكان ذلك بالوقت نفسه نوعاً من إنقاذ ماء وجه الرئيس باراك أوباما. لكن تلك العملية الخجولة قد توقفت هي الأخرى عملياً.
ومن الملفت للانتباه أن رد فعل جو بايدن على التحريض الإسرائيلي بحضوره كان مثيراً للدهشة بما تحلّى فيه من اعتدال. لقد اعترض على توقيت الإعلان عن مشروع الاستيطان الجديد من جانب واحد لكنه لم يكلّف نفسه عناء التذكير بالمعارضة المبدئية لإدارة أوباما للاستيطان بما في ذلك بالقدس الشرقية.
بل ولم يذكّر بالتجميد المؤقت، رغم ضحالته، والذي كانت قد قبلت به الحكومة الإسرائيلية في شهر نوفمبر الماضي فيما يخص الاستيطان بالضفة الغربية تحديداً. لقد بدا موقف بايدن نوعاً من الانزلاق المقلق للمواقف الأميركية، ولم تتأخّر حكومة نتانياهو عن استغلاله، رغم إظهارها بعض التراجع لاحقاً.
بالمقابل لم تتأخر ردود الأفعال الدولية، كما ظهر في تصريحات للأمين العام للأمم المتحدة وللبيت الأبيض وللسيدة كلينتون ولـ «الرباعية» الدولية وللسيدة اشتون، الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية ولوزير الخارجية الفرنسي. لكن ماذا بعد؟
ليس هناك من يمكنه التصديق حقيقة أن إعلان اللوم وحتى التأنيب يمكن أن يجعل الحكومة الإسرائيلية تغيّر نهجها وهي التي لا تفهم سوى لغة موازين القوى.
إن بعض المعلّقين ألصقوا فعل التحريض الإسرائيلي، بحضور بايدن، بوزير الداخلية الذي هو رئيس حزب شاس والناطق الرسمي عن أهداف ومصالح التيار الإسرائيلي المحافظ المتشدد داخل الائتلاف الحكومي. لكن ليس هناك من يمكنه أن يعتقد جديّاً أن يكون وزير الداخلية قد تصرّف دون موافقة نتانياهو.
على العكس، من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية تعرف جيداً كيف تستفيد من وضع التشكك الذي تعاني منه إدارة أوباما حالياً بأفق الانتخابات الجزئية للكونغرس في شهر نوفمبر المقبل؛ هذا بالإضافة إلى عدد من الملفات ذات الأولوية مثل الضمان الصحّي. والمسؤولون الإسرائيليون لا يتوقفون عن اختبار هذه الإدارة من أجل نسف أي استئناف لمفاوضات السلام.
المسألة الأساسية هي أن السلطات الإسرائيلية قد اعتذرت عن الحرج الذي سببته للإدارة الأميركية لكنها لم تتراجع في الواقع العملي. وقرار بناء وحدات سكنية جديدة لا يزال قائماً.
هذا لسبب بسيط وهو أن الإسرائيليين اعتبروا منذ عام 1980 عبر الاقتراع في الكنيست أن القدس الشرقية هي جزء من الدولة العبرية ومن عاصمتها التاريخية الموحّدة. واعتماداً على وجهة النظر هذه يكون البناء في القدس شرعياً ولا يشمله قرار التجميد لعشرة أشهر والذي لم يتم احترامه أصلاً.
إن استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية يتطلّب العودة إلى الثوابت السياسية وفي مركزها القانون الدولي. هذه هي المسألة التي تشمل كل المسائل. ومن تفرّد النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي أن الجميع يعرفون السبل إلى حلّه وهي موجودة في قرارات الأمم المتحدة. المطلوب هو توفّر الإرادة السياسية ووقف عمليات التحريض الإسرائيلية المتكررة. فمن يمتلك شجاعة ذلك؟
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس