بينما تتصاعد التحديات القومية والقطرية، التي تواجه الأمة العربية، وتتعرض المنطقة لأطماع إقليمية ودولية متزايدة، تهددها بالمزيد من الصراعات، والتفكك والضعف، والتطاول على ثرواتها وشعوبها وتاريخها وحضارتها، تتراجع قدرات العرب بمؤسساتهم الجماعية في مجال مجابهة هذه التحديات.
كان إقرار مبدأ مؤسسة القمة العربية، وعقدها سنوياً، وانتقال مكانها بين الدول العربية حسب الحروف الأبجدية، قد ولد آمالا، بإمكانية تعزيز منطق وآليات العمل الجماعي المشترك، والتوصل إلى معالجات متدرجة لجملة العوامل التي تعيق تطور الأمة العربية، والتصدي أولاً بأول للملفات الساخنة والأزمات التي تعصف بالمنطقة، غير أن نحو ثماني قمم عربية متلاحقة، لم تنجح في ذلك.
الآن تنعقد القمة في مدينة سرت الليبية، في ظل ظروف بالغة الدقة والتعقيد، غير أن المقدمات التحضيرية، لا تترك انطباعاً بأن ثمة جديداً، أو حتى أن جهة ما، سواء الجامعة العربية، أو دولة القمة السابقة.
والحالية، قامت بالتحرك الروتيني المطلوب لإنجاح هذه القمة، ولو بحدود الحد الأدنى من القرارات والمواقف المطلوبة، أو محاولة تحديد الخيارات الأساسية التي يمكن للعرب أن يجتمعوا عليها.
انقسام عربي بين ما يسمى بمحور ممانعة، ومحور اعتدال، ودول أخرى يضيع موقفها ودورها بين محوري الانقسام، لم تنجح المحاولات والمبادرات السعودية التي بدأها الملك عبد الله بن عبد العزيز، في قمة الكويت، لم تنجح في معالجة هذه التناقضات.
التناقضات العربية العربية، يضفي عليها طابع المناكفة، والبحث عن أدوار قطرية، على حساب العمل العربي المشترك، وتخضع التجاذبات لعملية استخدام وتوظيف من قبل أطراف إقليمية، ومراكز دولية، لا تبحث عن مصالح العرب، وتتجنب ما يؤدي إلى تعزيز قوتهم أو صياغة تحالفات وشراكات حقيقية.
أليس واضحاً أن إيران تبحث وتعمل من أجل توسيع نفوذها وقوتها، ودورها الإقليمي، وتعزيز مكانتها على الصعيد العالمي، وأنها تنظر إلى محيطها العربي، كساحة استثمار، بما يؤدي إلى تعميق التناقضات العربية، وتهميش دور المراكز العربية المؤهلة للعب أدوار إقليمية؟
تركيا بعد أن فقدت الأمل في أن تجد لها مكاناً ومكانة في الاتحاد الأوروبي، بدأت منذ بعض الوقت، تتجه نحو الشرق العربي ومحيطها الطبيعي، وقد أدركت أن القضية الفلسطينية تشكل المدخل الأفضل لتطوير هذا الدور، بما يتناسب وحجم القوة التي تمتلكها.
من حق هذه الدول والمراكز، وأية دول أخرى، تملك ما يفيض من قوة، بأن تعمل وتسعى بكل ما تمتلك من وسائل، لتنمية قوتها وحضورها، وتعظيم قدراتها بما يخدم مصالح شعبها، ومن حقها المزاحمة في ظل تقدم آليات واتساع تأثيرات العولمة.
ربما لا يلفت أنظار الزعماء العرب الذين يجتمعون في سرت الليبية، أو الذين قرروا الامتناع عن حضور القمة، والهبوط بمستوى تمثيل دولهم، ربما لا يلفت أنظارهم فردياً وجماعياً، أن إسرائيل قد أخذت تفكر وتعمل من أجل تطوير دورها وتأثيرها الإقليمي.
لقد تحدث نتنياهو عند تسلمه رئاسة الحكومة الإسرائيلية عن تعزيز قوة إسرائيل، وتثمير ذلك، ولهذا من المنطقي أن نتوقع، بأن السياسة التي تتبعها حكومته، لا يمكن أن تتفق والحد الأدنى من متطلبات التوصل لاتفاق سلام، فإسرائيل التي تبحث عن دور خارج حدود فلسطين التاريخية لا تفكر في التنازل عن أراض لصالح إقامة دولة فلسطينية.
كان هذا الأمر واضحاً، لكنه الآن أكثر وضوحاً، فهذا وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان يؤكد على تصريحات سابقة، من أن تنازل إسرائيل عن أرض لا يخدم عملية السلام.
وبموازاة هذه التطلعات، وتطلعات المراكز الدولية الفاعلة، التي تبني قواعد لها في الكثير من الدول العربية، ولا تتوقف عن التدخل في شؤون تلك الدول، بحثاً عن مصالحها، فإن الدول العربية المرشحة التي تملك إمكانية توسيع دورها الإقليمي قد تراجعت، وانضمت إلى عديد الدول التي تجد نفسها في حالة انشغال دائم بتناقضات عربية وإقليمية، فضلاً عن أنها مكبلة بخيارات واتفاقيات أضعفتها، وأدت إلى تقليص قدرتها على الحركة.
ثمة مشكلة أو أزمة حقيقية، تتصل بالخيارات العامة للأمة العربية، فبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، أعلن العرب في قمتهم بالقاهرة عام 1996، التزامهم بإستراتيجية السلام كخيار وحيد، ومنذ ذلك الوقت، خسر العرب معركة السلام، وفشلوا في مراكمة عوامل القوة، التي تؤهلهم، للتعامل مع خيارات أخرى.
لهذا فإن قمة سرت، وما يمكن أن يصدر عنها من قرارات، تفتقد إلى القوة الكافية، لتبديل الخيارات، بما يتلاءم مع التطورات والمتغيرات التي طرأت وتعصف من اتجاهات عديدة.
فوق هذا يبدو أن منطق تبديل مكان انعقاد القمة سنوياً، قد أدى إلى مزيد من الضعف، فمكان انعقادها، يجعل مستوى التمثيل، ومدى النجاح مرهون بالعلاقات الثنائية التي تحكم دولة القمة ببقية الدول العربية، وهذا ما يحصل في قمة سرت الليبية، الأمر الذي يشكل مرآة صافية لطبيعة وحجم الخلل في العلاقات العربية- العربية، وبالتالي في العمل العربي المشترك.
كان من المفروض أن تسبق القمة مبادرات لمعالجة التناقضات، وبعض الملفات المأزومة، والتحضير لاتخاذ قرارات تحظى بالإجماع، غير أن شيئاً من هذا لم يحصل، ولا نظن أن المبادرة السعودية الأخيرة لرأب الصدع بين سوريا ومصر، يمكن أن تثمر عن تغيير في واقع هذه التناقضات.
الانقسام الفلسطيني واحد من أبرز الملفات، التي تعكس الانقسام العربي، والعجز عن تقديم المساعدة من أجل استعادة الفلسطينيين لوحدتهم، ومن ناحية أخرى فإن هذا الملف برمته شاهد على مدى عمق وخطورة الخلافات العربية بما في ذلك على قضية العرب المركزية الأولى التي طالما كانت عامل توحيدهم.
وإذا كان الفلسطينيون ينتظرون من القمة اتخاذ قرارات حقيقية تحمي القدس وتحمي الحقوق الفلسطينية والعربية، فإن حال العرب وقمتهم الراهنة، لا يسر صديقاً ولا يغيظ عدواً.
الفلسطينيون في مأزق شديد الخطورة، بسبب استمرار النشاطات الإسرائيلية التي تستهدف تكثيف الاستيطان، وتهويد القدس ومصادرتها، وبسبب تعطل عملية السلام، وأيضاً بسبب انقسامهم وتصاعد لهجة وممارسات التصعيد العدواني، فهل ستتخذ القمة العربية قرارات حقيقية دفاعاً عن الحقوق وإنقاذاً للقدس؟
بصراحة وفي ظل الواقع العربي الملموس والمعروف، فالأرجح أن أفضل ما يمكن الحصول عليه، لا يزيد عن بيان آخر، لا أثر له في واقع الممارسة العملية.
كاتب فلسطيني
