مرة أخرى بدأت حملة في قرغيزيا تطالب بأجلاء القاعدة العسكرية الأميركية المتواجدة في مطار«ماناس»، حيث أصدر مجلس الشيوخ بياناً دعا فيه إلى انسحاب القوات الأميركية، وطالب بفرض حظر على تحليق المقاتلات الأميركية، معتبراً أن رحلات نقل المساعدات والإمدادات يمكن أن تنفذها طائرات النقل المدني.
وأعرب المجلس عن قناعته بأن وجود قاعدة عسكرية أميركية يشكل خطراً على المصالح الوطنية للبلاد، وله أثر سلبي على سمعتها، أما وجود القواعد العسكرية الروسية فهو مبرر تاريخياً ويلبي المصالح الاستراتيجية.
وكانت الحكومة القرغيزية قد فسحت المجال لتواجد عسكري أميركي انطلاقاً من حرصها على تمكين القوات الأميركية من تهدئة الأوضاع في أفغانستان، وإحلال الأمن والاستقرار فيها.
ما يوفر الحماية للأمن القومي القرغيزي، باعتبار أن أفغانستان من دول الجوار، هذا إلى جانب حصول الحكومة القيرغيزية على مقابل مادي كبير قيمة إيجار القاعدة، والذي يزيد عن مئة مليون دولار سنويا.
وبالمقابل وافقت السلطات الحكومية في قرغيزيا على إقامة قاعدة عسكرية تابعة لمنظمة الأمن الجماعي في جنوب البلاد بالقرب من حدود أوزبكستان، بالإضافة للقاعدة الجوية الروسية في مدينة قانت ومركز الاتصالات «ماريفو» التابع للقوات البحرية الروسية ومركز اختبار التقنيات العسكرية البحرية في بحيرة «اسيك قول؟
والتي تشكل شبكة عسكرية روسية من أجل تأمين تموين القاعدة العسكرية الروسية في طاجيكستان وتموين مرصد «نوريك» التابع للقوات الفضائية الروسية في طاجيكستان.
وعلى الرغم من أن تواجد موسكو عسكرياً في قرغيزيا يتجاوب مع توجهات دول وسط آسيا،وفق قرارات مؤتمرات منظمة الأمن الجماعي، باعتبار أنه سيوفر إمكانات حقيقة لحفظ أمن قرغيزيا ومنطقة آسيا الوسطى وتأمين حدود روسيا، باعتبار أن هذه القوات ستكون قادرة على إيقاف مجموعات المتطرفين المسلحة التي تسعى لتفجير صدامات في مناطق وسط آسيا واقتحام الحدود الروسية، إلا أنه سيكون حائط صد قوى أمام الزحف الأميركي في مناطق وسط آسيا وبالقرب من حوض بحر قزوين.
ولابد من التعامل مع موقف الأوساط السياسية القرغيزية بمعزل عن التأثير الروسي، إذ أن التواجد العسكري الأميركي في أفغانستان والذي بدأ منذ عام 2002.
واستخدم كافة الطرق في وسط آسيا لم يتمكن حتى الآن من تحقيق أي مهمة من المهام الملقاة على عاتقه بدء من إحلال الأمن والاستقرار في أفغانستان، مروراً بالقضاء على جيوب الإرهاب التي تغذى المنظمات المتطرفة المنتشرة في منطقة وادي فرغانة، وانتهاء بالقضاء على تجارة المخدرات الأفغانية التي تهدد من دول وسط آسيا وروسيا.
لقد فشلت القوات الأميركية في تحقيق كل أهداف الحملة العسكرية التي نظمها الرئيس الأميركي السابق بوش وأسس لدعمها التحالف الدولي المضاد للإرهاب.
وهو ما كشف عنه تصاعد الصدامات المسلحة بين طالبان وحكومة كابول. ولاشك أن العمليات المسلحة المتواصلة التي تنفذها ميليشيات حركة طالبان ضد القوات الأميركية في أفغانستان وصلت إلى مستويات قياسية وتهدد بعرقلة الجهود الرامية لإعادة بناء البلد.
التحالف بين تجار المخدرات التابعين لطالبان وبعض المسؤولين في الحكومة أدى لفشل كل الجهود لوقف تصدير الهيروين. وتأتى كميات هائلة من المخدرات من أفغانستان التي تنتج ثلاثة وتسعين بالمئة من الأفيون في العالم وتورد للأسواق العالمية حوالي ألف طن هيروين.
خلال السنوات الماضية فشل المجتمع الدولي في مكافحة المخدرات الأفغانية، وذلك بالرغم من تناقص مزارعها، إذ تصل مساحات مزارع المخدرات فيها إلى مئتي ألف هكتار، وقد زاد حجم الإنتاج بمعدل الضعف، ومازالت أفغانستان المنتج والمصدر الأول للحشيش والهيروين والماريجوانا والأفيون، ما يشكل تهديد حقيقي على أمن دول وسط آسيا وروسيا.
لذا لم يعد تواجد القوات الأميركية في قرغيزيا مبرراً، على الأقل بالنسبة للشعب القرغيزي، كما هو غير مبرر بالنسبة لدول الجوار التي لا ترى جدوى في دور التواجد العسكري الأميركي.
ويبدو واضحاً أن كافة المعطيات وتوترات الوضع تؤدى لعودة الدور الروسى إلى هذه المناطق، باعتبار أنه كان ولا يزال قادرا على التعامل مع كل هذه الملفات.
والمطلوب أن تقبل واشنطن بذلك، وأن تبدأ حواراً جاداً ليس فقط مع روسيا وإنما أيضاً مع دول وسط آسيا، وأن تحترم وتدعم الحلف الأمني الذي شكلته هذه الدول والمسؤول عن تحقيق وحماية الاستقرار.
خبيرة الطاقة الروسية