لحظوة إسرائيل ودعمها بلا حدود في عالم الغرب محددين رئيسين:أولهما استراتيجي مادي منظور، أساسه اتخاذها قاعدة ثابتة لحراسة المصالح الغربية وايذاء من يريد الغرب إلحاق الأذى به، والترصد بأية جهود عربية وحدوية وتنموية وفصل مشرق الوطن العربي عن مغربه، والتصدي لكل من يتجرأ على تحدي الهيمنة الغربية، الأميركية بخاصة، في الرحاب الشرق أوسطية.

وثانيهما ثقافي روحي غير منظور، خلاصته قناعة عشرات الملايين من أتباع الصهيونية المسيحية بأن استعادة اليهود لملكهم البائد وهيكلهم المفقود بزعمهم منذ ألفي عام، هو العلامة الكبرى لعودة السيد المسيح وبداية الألفية السعيدة قبل نهاية العالم!..

عملياً وواقعياً، تبدو إسرائيل وكأنها فقدت أهميتها بالمفهوم الاستراتيجي منذ عشرين عاماً، وذلك بفعل أفول المنافس العالمي الند (الاتحاد السوفيتي) وحلول القوى الغربية براً وبحراً وفضاء في أهم المحاور الشرق أوسطية، وسيطرة القطب الأميركي زعيم المعسكر الغربي على معظم قضايا هذه المنطقة واشتباكه المباشر مع القوى الممانعة للنفوذ الغربي فيها.

وبناء على هذه التحولات، يجوز الاعتقاد بأن إسرائيل باتت عبئاً على الغرب ومشروعاته الاستراتيجية في هذه المنطقة من العالم بأكثر مما هي عنصر مساعد. نحسب أن دراية النخب السياسية والاستراتيجية الاسرائيلية بهذه التطورات، ساقتها إلى التسامح مع تصاعد وتضخم المحدد الأصولي الديني في الداخل الإسرائيلي من ناحية وفي سياق العلاقة التحالفية العضوية مع الغرب من ناحية أخرى.

وهذه ظاهرة بلغت تجلياتها في الآونة الأخيرة ذروة عالية.. ومنها محاولة حسم قضية القدس بتكثيف عمليات الاستيطان والافصاح الوقح عن التدابير الرامية لتقويض المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث.

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي له وجهة نظر إضافية ومخطط رديف، يسعى من خلالهما إلى تصنيع محدد (مبرر) آخر قوي لصيانة وتعميق التعاطف الغربي مع إسرائيل.. قوام الفكرة بهذا الخصوص هو أن تبذل الجماعة العلمية الإسرائيلية جهوداً كبيرة استثنائية لإبداع بديل نظيف وزهيد الثمن من الطاقة النفطية..

فمثل هذا الاختراع سوف يحطم الاعتمادية الغربية (والعالمية ما أمكن) على نفط الدول العربية وغير العربية المنحازة ضد الغرب وإسرائيل. وبالتداعي «سوف تنكسر شوكة الأنظمة المستبدة التي تمول الإرهاب بايرادات النفط ولن يستطع هؤلاء تأجيج الخواطر وإلحاق الضرر بالغرب بعد فقدانهم السيولة النقدية..».

يتصور نتنياهو ومجموعة العمل التي أعدها بالفعل للاشراف على تطبيق هذا المشروع الاستراتيجي بأن «.. إدمان النفط العربي هو الذي جعل الغرب أسيراً لنظم شريرة وخطيرة..».

وهم يحذرون الغرب من جرائر الإرتهان لاحتياطات نفطية تقع بتعبيرهم «تحت الخطوط الفاصلة بين السنة والشيعة في مناطق محفوفة بالتطرف الإسلامي والحروب الدينية».

نحن إزاء مبادرة تهدف إلى تحسين وضع إسرائيل ومكانتها الاستراتيجية ورفع قيمتها المضافة في عالم الغرب.. بل ويتوقع نتنياهو «..إنضمام قوى مهمة أخرى إلى طابور الداعمين لإسرائيل، كالصين والهند وبعض دول الجنوب، بعد تحررهم من نفط العرب..».

البحث عن أكثر من بديل للنفط، فيما يعرف بتنويع مصادر الطاقة، أقدم بكثير من أطروحة نتنياهو. ومن المأثورات في هذا الإطار أن الدول الصناعية الغربية استنفذت أقصى قدراتها العلمية والتقنية للتعجيل بتحقيق هذا الهدف بعد حرب أكتوبر 1973 وما صاحبها من حظر نفطي عربي.

بيد أن الجهود الحثيثة لعقود في هذا المضمار، لم تتمكن من إزاحة النفط عن عرشه ولا أنهت إحتكاره لزهاء 85% من الطاقة المستخدمة في مختلف المجالات عالمياً.

كما أن الطاقة المستخلصة من المصادر الدائمة غير المعرضة للنضوب، كالشمس والرياح والأمواج والذرة..، مازالت عاجزه عن الوفاء باحتياجات الحياة المعاصرة.

ومؤخرا، تعرض الاتجاه الداعى الى تعظيم الاعتماد على الطاقة الحيوية المستخلصة من منتجات زراعية لانتقادات مريرة، لأنه سيلحق أضرار جسيمه بقطاعات اجتماعية وشعوب هى أحوج ما تكون الى هذه المنتجات فى مواجهة الجوع.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com