منذ فجر التاريخ، كانت العبودية إحدى الشؤون الإنسانية التي ما فتئ الإنسان يمارسها في مختلف جوانب الحياة. فمنذ عهد الفراعنة القدامى، وحتى بعد ظهور الإسلام، كان الناس يستخدمون العبيد في الزراعة، والتجارة، والخدمة المنزلية وغيرها.

ومن مفارقات الحضارة، أن العبودية كانت تزدهر مع ازدهار الدول في بعض مراحل التاريخ، فلقد نشطت أيام الفراعنة، حيث سخّر العبيد لبناء الأهرامات، ثم ازدهرت أيام الإغريق، حيث كانت أثينا على سبيل المثال، إحدى المدن التي وضعت نظاماً مُحْكَماً للعبودية حتى وهي ترفل تحت ظل الديمقراطية والرخاء الاقتصادي.

فالعبودية في أثينا كانت جزءاً من تكوين المجتمع، كما هو حال الخدم في مجتمعنا الخليجي اليوم، فكان في أثينا «عبيد البيوت» الذين يعملون خدماً في المنازل والمزارع والمحلات التجارية، وكان هناك «عبيد القطاع العام»، وهم العبيد الذين يعملون في القطاع الحكومي، كمنظفي الشوارع والحرس وغيرهم.

يقول سقراط:«إن الذين وُلِدوا عبيداً من غير الإغريق، لا يصلحون لشيء في الحياة غير السخرة»، والجدير بالذكر أن نسبة العبيد في المجتمع الإغريقي كانت تصل إلى 30% من مجموع السكّان، ولكن في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد أصدرت الحكومة مجموعة قوانين تحفظ للعبيد حقوقهم وتشجع الملاك على تحريرهم من قيودهم.

وفي القرن الأول للميلاد، أيام الإمبراطورية الرومانية، كان العبيد يشكّلون ثلث السكّان، ولا يمكن أن يذكر التاريخ الروماني دون ذكر العبد «سبارتاكوس» الذي قاد جيشاً من العبيد وحارب به روما على مدى عامين، فرمّل نساءهم ويتّم أطفالهم، حتى قال بعض المؤرخين عن تلك الفترة إن أراضي روما قد اصطبغت بلون أحمر بسبب سبارتاكوس وجيشه.

لا زالت العبودية تمارس حتى اليوم في مختلف دول العالم، ولكن بأشكال مختلفة، انظر إلى المجتمع الخليجي بالتحديد، وسترى أن الخدم في المنازل هم عبيد أكثر منهم موظفون.

فالخادمة تعمل ليل نهار، وفي أحيان كثيرة، دون استراحة في منتصف اليوم، كما أن الخدم في الخليج لا يحصلون على إجازات أسبوعية أو مرضية، والراحة الوحيدة التي يمكنهم الحصول عليها خلال سنين عبوديتهم في أحد المنازل هي أن يمرضوا، وحتى تلك قد لا تخولهم لاستراحة يوم كامل، لتنهال عليهم طلبات الأسرة كرصاص في ساحة معركة دموية.

تتأصل العبودية بمختلف أشكالها في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، فالمدرس سيّد في المدرسة، والطلبة عبيد له، يفعل بهم ما يشاء، حيث لا يمكن لأحدهم أن يعترض على كلام سيّده أو يناقشه فيه، ولا يحرر الطالب من براثن تلك العبودية إلا أن يكدح ليل نهار لكي ينجح وينتقل من المدرسة إلى الجامعة التي لا تخلو هي الأخرى من عبودية، وإن كانت من نوع آخر.

حيث تنتشر في بعض جامعاتنا العبودية الفكرية، وعلى العبيد (الطلبة) أن يوافقوا أسيادهم في معتقداتهم الأيديلويوجية وتوجهاتهم الفكرية أو السياسية أو حتى الدينية، وكثيراً ما يتعرض الطلبة للاضطهاد الفكري والنفسي إذا ما اختلفوا مع أساتذتهم.

في العمل، يعمل الموظف عندما يطلب منه سيّده (مديره) ذلك، وما أن تنتهي أوامر السيّد حتى يتوقف الموظف عن العمل، وأحياناً حتى عن التفكير. فغالباً ما يلقي الموظف بزمام المبادرة إلى مديره، لعلمه بأن مصيره مربوط برضاه عليه، وليس بنجاحه في العمل. قد تختلف الحالات في بعض المدن العربية، ولكننا نتحدث عن السمة الغالبة.

يعمل الموظف في كثير من الأحيان في إجازات نهاية الأسبوع وفي العطلات الرسمية، ويقوم في أحيان أخرى بحجوزات العزائم الشخصية الخاصة بالمدير وبأسرته. بل يذهب بعضهم إلى اصطحاب أبناء المدير من المدرسة، وبعضهم يشتري له حاجيات المنزل. كل ذلك نوع من أنواع العبودية الحديثة، غير المرئية.

في المنزل، يعتبر الأب، غالباً، أبناءه وزوجته كملك مباح، يفعل بهم ما يشاء، مرتكزاً على الآيتين الكريمتين:«الرجال قوّامون على النساء» و«وأوصينا الإنسان بوالديه إحساناً» ليتحول الإحسان، ذلك المذهب الإلهي العظيم، إلى نظام عبودية يستغلّه الآباء لتنشئة قطعان من الناس يسمّون «جيلاً» لا يعرفون كيف يتخذون قراراتهم بأنفسهم عندما يكبرون، فيصيرون نسخاً مكررة لا شأن لهم في المجتمع، وينتظرون التعليمات لكي تحرّكهم مثلما يحرك جهاز التحكم عن بعد الرجل الآلي.

يعلّمنا التاريخ أن اضطهاد الإنسان في أي شكل من الأشكال هو عبودية بحتة، سواءً كان ذلك بإرهاق الخادمة بالعمل في البيت على مدار الساعة، أو بتسخير السائق في المنزل ليخدم نصف سكّان الحي، ثم نقول إن ديننا قد أوصانا بسابع جار.

لم تسلم أمّة عبر التاريخ من مغبّة استرقاق البشر، ففي النهاية، يتحول هؤلاء الرقيق إلى وحوش ضارية، تفتك بأسيادها وتطيح بممالكهم التي بنيت على أكتاف هؤلاء المساكين. لو دَخَلَتْ منظمة حقوق الإنسان لبيوت الخليجيين لأفردت باباً كاملاً في تقريرها السنوي، ولاقترحت عليهم تسميته بباب «العبودية الناعمة».

الفرق بينها وبين العبودية القديمة، أن العبودية الناعمة تمارس تحت غطاء قانوني وبعقد عمل، أما القديمة فليس بها أوراق، إلا أن كلتاهما تمرّغان كرامة الإنسان في الوحل، وتهبطان بثقافة المجتمع إلى الحضيض.

إن احترام حقوق هؤلاء الخدم البسطاء الذين تركوا أسرهم وبيوتهم وعبروا البحار والقفار ليسدّوا رمق أهاليهم، هو أبسط القيم البشرية التي يجب علينا أن نتحلّى بها، وهو من أساسيات ديننا الحنيف الذي نتفاخر، كأبواق فارغة، عندما نقول بأنه دين حقوق الإنسان، لنخالف تعاليمه في عقر بيوتنا، وننتهك حرماته التي أتت من أجل سعادة الإنسان والحفاظ على كرامته.

لكي نرتقي بثقافتنا علينا أن نرتقي بممارساتنا الإنسانية، وإن أردنا أن نعيش بكامل حريّتنا فعلينا أن نحترم حرية الآخرين وإنسانيتهم. يقول لنكولن:«تحرير العبيد هو تأكيدٌ على حرية الأحرار».

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com