الوضع الجيوسياسي في العالم عرضةٌ لتغيراتٍ تؤثر في الأمن القومي لدول عديدة، وعلى رأسها روسيا. ويرى رئيس أكاديمية العلوم العسكرية الروسية، الجنرال محمود غارييف، أن مركز ثقلِ النشاط الاقتصاديِ العالمي ينتقل نحو الشرق، وأن أوساط «البيزنس» الأميركيةِ والغربية، تنقل المصانع ورؤوس الأموال إلى منطقة المحيط الهادئ الآسيوية.

وهذه العملية تترافق مع جهودٍ عسكرية بغية ضمان هيمنة الولايات المتحدة على هذه المنطقة، إضافةً إلى إقامة قواعدَ عسكرية تساعدها على البقاء فيها أطولَ مدةٍ ممكنة.

بعض الخطواتِ الأميركية تخلُق أجواء من عدم الثقةِ على الحلبة الدولية، ومن اللافت للنظر هنا أن واشنطن استغلت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 لحشد بلدانٍ أخرى حولها. ويشير غارييف إلى أن تلك الأعمال الإرهابية كان متعذراً تنفيذها، لولا مشاركة أوساطٍ معينة داخل الولايات المتحدة ذاتها.

ومن ناحيةٍ أخرى، تردد واشنطن أن الحرب في العراق وأفغانستان تهدف إلى مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات، ولكن الوقائع تدحض هذه الادعاءات. وفي هذا الصدد، تفيد معطيات الهيئة الفدرالية الروسية لمكافحة المخدرات، أن إنتاج المخدراتِ في أفغانستان ازداد في الأعوام الثمانيةِ الأخيرة 44 مرة.

وتجدر الإشارة إلى أن 90% منها يهرّب إلى روسيا، حيث يموت سنوياً نحو 30 ألفَ إنسان بسبب هذه الآفة. ويعتبر غارييف هذا الأمر نوعاً جديداً من أسلحة الدمار الشامل يستعمل ضد روسيا.

المشكلة أن قضية المخدرات الأفغانية لا تتعامل معها واشنطن بأي شكل من أشكال الجدية، وكأنها لا تهمها، علماً بأن المخدرات هي المصدر الرئيسي لتمويل العمليات الإرهابية في كل أنحاء العالم.

وكانت روسيا والصين ودول أوروبية كبيرة، تتوقع وتنتظر من واشنطن أن تتخذ موقفاً فعالاً تجاه هذه القضية بعد دخولها أفغانستان عام 2002، لكن شيئاً لم يحدث، الأمر الذي أعطى الفرصة لبعض الأوساط أن تشك في مصالح خاصة لجهات أميركية في ترويج المخدرات الأفغانية، خاصة وأن عائدات المخدرات تفوق أي عائدات أخرى في العالم، بما فيها النفط والسلاح.

ولم يسمع أحد من قبل من أية جهة في واشنطن، أنها تنوي مكافحة تجارة المخدرات في العالم، هذا في الوقت الذي تتهم فيه بلدان أميركا اللاتينية الولايات المتحدة دائماً، بأنها تشجع زراعة وتجارة المخدرات في هذه البلدان.

وقد تقدم إيغور شيرباك نائب مندوب روسيا الدائم إلى الأمم المتحدة، في اجتماع مجلس الأمن الدولي الخاص بمكافحة المخدرات، باقتراح يتعلق بإدراج أسماء بارونات المخدرات في قائمة ممولي النشاط الإرهابي.

معروف أن أفغانستان تحتل المركز الأول عالمياً في ما يخص بيع المخدرات. وحسب معلومات إدارة الأمم المتحدة لشؤون تجارة المخدرات، تبلغ عائدات تسويق المخدرات 320 مليار دولار سنوياً. ومن نصيب أفغانستان 90% من توريدات الأفيون المخصص لإنتاج الهيروين على الصعيد العالمي.

ومن مصلحة تجار المخدرات استمرار عدم الاستقرار، وغياب السلطة الفعلية في مختلف مناطق البلد. ولذا يصرفون جزءاً من عائدات تجارة المخدرات، لدعم العصابات الإرهابية وشراء أسلحة لها.

وبإمكان المجتمع الدولي إزالة خطر انتشار المخدرات، بل وإضعاف النشاط الإرهابي، إذا استطاع سد قنوات تمويلية. ويجب أن تصدر قرارات في إطار الأمم المتحدة، في مجال التصدي لخطر انتشار المخدرات، وإذا لم تتعاون واشنطن في هذا الأمر، فستضع نفسها موضع شبهات هي في غنى عنها.

يجب إقرار برنامج لنشاط المجتمع الدولي في مجال مكافحة انتشار المخدرات الأفغانية، وذلك اعتماداً على القرارات السياسية المتخذة سابقاً. ويمكن أيضاً البحث المفصل عن طرق زيادة فعالية المساعدة التقنية، وغيرها من أنواع المساعدة المقدمة لحكومة أفغانستان وبلدان آسيا الوسطى عموماً.

وتركز روسيا على وجوب تقديم الدعم على أكمل وجه، أثناء قيام الائتلاف الدولي بإجراء عمليات لمواجهة انتشار المخدرات. وفي الوقت نفسه ينبغي على حكومة حميد كرزاي الاستفادة إلى أقصى حد من إمكانات المنظمات الإقليمية، وعلى رأسها منظمة شنغهاي للتعاون، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي.

وبفضل مساعدتها، لا بد أن تزداد فعالية مشاريع وعمليات دولية هادفة إلى مكافحة المخدرات. وإضافة إلى ذلك، يمكن تنفيذ البرامج الجديدة التي تقترحها روسيا، ومن ضمنها مراقبة الحافلات التي تعبر الحدود الأفغانية، وقنوات نقل المواد المستخدمة لإنتاج الهيروين.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru