للكلمة سحر لا يخفى، يعرفه معظمنا، والمتخصصون منا في اللغة وعوالمها، يدركون دقائق هذا السحر الحلال، ويستطيعون أن يقفوا على تفاصيل لا يستطيع غيرهم إدراكها أو وضع اليد عليها. لكن المشكلة هي أننا أصبحنا ـ مع انهماكنا في متطلبات هذه الحياة المادية ـ شبه متبلدي الأحاسيس تجاه الكلمة وسحرها، وأثرها العميق الذي قد تحدثه في النفس، أو الذي كانت تحدثه بالفعل في النفس من قبل.
إننا أصبحنا نبخل على بعضنا بالكلمة الجميلة، الدافئة، والصادقة في الوقت نفسه، فنحن نتبادل كثيراً كلمات جميلة، من باب المجاملة التي تخرج من طرف اللسان، ولا تصل إلى أبعد من الآذان، أي أنها تخرج من طرف خارجي لتصل إلى طرف خارجي آخر، ولا علاقة لها بالأعماق، سواء لدى المرسل أو المستقبل. ومن المعلوم أن ما خرج من القلب لا يصل ولا يحط رحاله إلا في القلب، لكن هذا أصبح قليلا ونادراً في هذه الأيام.
كلمة الشكر أصبحت تُقال عادة من باب المجاملة، ولم يعد الشكر شكرا وامتناناً حقيقياً من قِبَل الشخص الذي يقول «شكراً»! لذلك لا تجد هذه الكلمة صدى لها عند الأطراف الأخرى في أوقات كثيرة، فلا تصل ال«عفواً» إلا في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى لا تصل، ولا ينتظرها أساساً الشخص الذي ألقى ال«شكراً» العابرة، ومضى هو أيضاً عابراً إلى سبيله.
عبارات الترحيب «المقرطسة» أيضاً نصيبها من المجاملة كبير جدا، والشخص الذي يسمعها يدرك جيداً مكان خروجها، ويعلم إن كانت صادقة نابعة من القلب، أو إن كانت غير صادقة ولم تخرج إلا من قبيل المجاملة..
والترحيب لا يجب أن يخرج إلا من القلب، كي يشعر الشخص المرحب به أنه غير ثقيل، وأنه مقبل على أشخاص فرحين برؤيته وبزيارته، حتى إن كانت الزيارة دون موعد سابق، أو تسببت فيها الصدفة دون تخطيط من جهة الشخص الزائر نفسه. فمجرد تبادل بعض كلمات الترحيب بصدق ودفء، من الممكن أن يجعل من مثل هذه الزيارات المفاجئة أو وليدةِ الصدفة، لحظات جميلة تنطبع في الذاكرة.
هناك أيضا أمهات وآباء ـ البعض بالطبع وليس الكل ـ يردون على نداء أبنائهم بالشتم أو بالدعاء عليهم، أو ـ في أحسن الأحوال ـ بألفاظ التأفف والضجر وما شابهها. الكلمة الجميلة ليس لها وجود في لغة حديثهم مع أبنائهم، وهذا من شأنه أن يوجد فجوة نفسية كبيرة بينهم وبين هؤلاء الأبناء، ولكنهم لا يدركون ذلك، وبعضهم إن أدرك لا يبالي، ومن الطبيعي أن تكون العلاقات الأسرية داخل هذه الأسر مفككة، بل منهارة تماما، والسبب هو.. الكلمة.
نبحث كذلك عن الكلمة الجميلة في بعض مواقع العمل، بين الزملاء.. وبين الرؤساء ومرؤوسيهم، بين الموظفين ذوي الدرجات العليا والآخرين ذوي الدرجات المتوسطة، وبين هؤلاء ومن هم أدنى منهم.. نفتش عنها تفتيشاً دقيقاً، فنجدها بالطبع، ولن أزعم أنها غير موجودة إطلاقاً، ولكنها أقل مما يجب، وعبارات المجاملة الباردة تحضر بقوة أشد، وكأنها هي الأساس في التواصل بين الناس في هذا الوقت!
هل من الممكن أن تكون الكلمة الجميلة الصادقة والدافئة، قد انزلقت من قواميسنا دون أن نشعر، حتى أصبح التواصل بها بين الناس مطلباً صعباً؟ وهل يمكن أن نبخل على بعضنا بهذا الأمر اليسير الذي لا يكلفنا مالاً ولا جهداً، ولكنه عظيم الوقع عميق الأثر في النفوس؟
لا بد أنه يوجد خلل ما، أوصلنا إلى هذه الدرجة من البرود الاجتماعي الذي أدى إلى أن نتبادل كلمات باردة مكرورة ومحفوظة، دون أن تكون لها معان حقيقية تكمن خلفها تجعلنا نختار هذه الكلمة دون تلك، لأننا فقدنا إحساسنا بالكلمة، ولم نعد نشعر بأثرها ولا بدلالاتها. وإذا كنا قد فقدنا هذا الإحساس، فمن الطبيعي إلا نسعى إلى أن ننتقي كلماتنا ومفرداتنا، وألا نبذل جهداً في اختياراتنا اللغوية.
وأن نستخدم المكرور الذي فقد معناه لكثرة تكراره واستخدامه، دون أن نشعر بذلك، لأننا لم نعد ننتبه إلى مدى تأثير الكلمة في النفس، ولم نعد نشعر بسحرها الذي كان يمكن أن ينقلنا سابقاً من جوّ إلى جو آخر، ومن فضاء إلى فضاء غيره، تأثراً بكلمة واحدة أو بعبارة منتقاة بعناية وصادرة من القلب، فتصل إلى القلب وتلامس أوتاره التي لا بد أن تستجيب لها، وأن يستجيب لها الجسد كله أيضا.
ولو أردنا أن نعود إلى الإحساس بالكلمة من جديد، ربما يحسن بنا أن نعطي أنفسنا وقتاً كافياً لتأمل حواراتنا اليومية السريعة مع من حولنا، وأن ندخلها مختبر الفحص والتحليل. وسنكتشف حينها أننا تركنا القواميس والمعاجم اللغوية، ولم نعد نستخدم منها إلا هامشاً بسيطاً فقط، دون وعي أو حتى اهتمام بما نستخدم، وكيف نستخدمه.. وهذه ستكون الخطوة الأولى في الطريق نحو تفعيل سحر الكلمة، في حياتنا اليومية.
جامعة الإمارات