لم تغب الايديولوجيا لكي تعود. والذين أعلنوا موتها قبل نحو عقدين، عادوا هم أنفسهم ليراجعوا أحكامهم الصارمة. وحين وصفها أحد علماء الاجتماع في الغرب بأنها أشبه ب«قنبلة في الرأس» يستحيل تفكيكها، كان في ذلك يعني أن الايديولوجيا تتصل بنا اتصال الأسماء والصفات.
فلا تغادرنا، حتى ونحن في ذروة ادعاء الحياد وعدم التحيُّز. هنا سوف نحاول الاقتراب من الايديولوجيا، من نافذة التأويل..
لو كان لنا أن نأتي بتمرين لفظي يدل على مفعول الكلمات في الناس وفي الأشياء، لتحصَّل لنا ذلك بالأيديولوجيا، ففي هذا التمرين مثل عزَّ نظيره في عالم المفاهيم.
لكننا لسنا على يقين من أننا إزاء الأيديولوجيا أمام مفهوم اعتيادي. فلئن كان كل مفهوم على ما نعلم، هو وعي بالقوة لا يغادر حصنه الذهبي إلاَّ بإرادة تحيله إلى مهمة في الواقع، فالأيديولوجيا هي الوعي والإرادة في آن.
فإنهما لا يفترقان ولا يتباينان، ولا يتقدم أحدهما على الآخر ولا يتأخر. فالمفهوم كما يسري في هذه المنطقة المعرفية، التي تسمَّى الايديولوجيا، هو المهمة وأفكارها.. الممارسة وخطابها، حيث تطلع الكلمات من الحقل ثم ينداح الحقل بفعل الكلمات.
المسألة هنا هي مسألة الفاعل الذي هو الإنسان، فهو الذي يحفر في الحقل بالكلمات، ليعود الحقل إيَّاه فيسدِّده ويوعِّيه ويرشده، أو ليضيف ويعدِّل من لغة الفاعل.. وذلك كله في رحلة لا نهاية لها.
وإذا كانت خصيصة كل مفهوم، تكمن في ما يستدعي ظنيَّة الدلالة عليه، فإن الأيديولوجيا لا تُرى إلاَّ في كونها أمراً محمولاً على الظن واليقين معاً. ذلك أنها فكرةٌ وحدثٌ في آن. فإذا كانت الفكرة مبعثاً للظن، فالحدث بما هو وجود عياني ومتشخص، هو مبعث لليقين.
فكيف إذا كان الحدث والفكرة متَّحدين في مجال واحد! الأيديولوجيا إذاً، هي فكرة حادثة، وفي الوقت عينه هي حادث يستولد الأفكار كلما طال أمد اشتغال الفاعلين في حقولها.
هل يعني هذا تعذُّر التوصيف أو بلوغ معنى محدد للإيديولوجيا؟
كل صفة تكتسبها الايديولوجيا تتأتى من فعلها، ولا تتحصَّل الكلمات المؤسِّسة للخطاب الايديولوجي إلاَّ بفعل التبادل بين النَّسق والفعل، بين البنية والحدث، وبين خصوصيات الحيِّز الاجتماعي والفاعلين فيه.
إن الكلمات، على ما تبين التأويلات المعاصرة، تعدُّ جزءاً من البنية بوصفها قيمة اختلافية، وهي بهذا المعنى ليست سوى افتراض دلالي. كما تُعدُّ جزءاً من الفعل ومن الحدث، وبهذا فإن آنيتها الدلالية تكون معاصرة لآنية العبارة المقدرة للتلاشي.
تتصف الأيديولوجيا بكونها متعددة الصفات كفاعلها، أي الإنسان المتحيِّز. ولقد كان من أبرز إنجازات كارل مانهايم، أنه أدرك هذه المشكلة فراح يوسع مفهوم الإيديولوجيا إلى النقطة التي أصبح معها يضم الشخص الذي ينادي به نفسه.
بمعنى أن المفهوم صار هو الشخص الذي يمارس عملية الفهم، أي ذاك الذي يختبر فكره وشعوره وشغفه بالأمر المراد، إلى الحد الذي يمتلئ بكلماته ويقول؛ أنا هو الإيديولوجي..
أنا هي الأيديولوجيا. سوف يدحض مانهايم بقوة وجهة النظر القائلة بوجود متفرِّج مطلق، بمعنى وجود شخص غير متورط في اللعبة الاجتماعية، ويعتبرها ضرباً من المستحيل.
وأن نصِف شيئاً بأنه أيديولوجي، فلا يعني أبداً أننا نصدر حكماً نظرياً مجرداً، بل إن وصفاً كهذا ينطوي على معاينة اختبارية، لممارسة معينة، أو لرأي يتحرك في الواقع، تقدمه لنا هذه الممارسة. فكل منظور يتم التعبير عنه، هو أيديولوجي بشكل ما.
الشخص الأيديولوجي هنا، متعدد، في رأي مانهايم. ذلك أن كل إنسان هو في نفس الوقت استيهام وإدراك، لاعقلانية وعقلانية، لاوعي ووعي.. حياة على أرضية من الموت.. ذاتية جذرية وضرورة موضوعية، حب للذات وارتماء في أحضان الموضوع، فطرية واكتساب، مصير وتشكل، وكذلك استلاب وحرية.
الأيديولوجيا هي كذلك؛ إنها كل تلك الثنائيات المتعاكسة، المتفارقة، لكن الموحِّدة لها جميعاً في الوقت نفسه. يعني هذا أنها متعددة كأحوال فاعلها. لذلك يمكن القول إن فلسفتها تقوم على وجود جامع بين البساطة والتركيب. بين التناقض والتكامل.
وبالتالي، هي متعالية ومتحيزة. لكن لا يمكن الحكم عليها في منطقة التعالي، من دون أن تُرى صورتها في المتعيَّن السياسي والاجتماعي. لذلك سوف تُعرف الأيديولوجيا بالتثنية، أي بالمقابلة بين شيئين وأكثر.
وهي تُعرف باتحاد الكلمات والأشياء، حيناً على شكل تصور في الذهن، فتصبح وجوداً بالقوة، ثم لا تفتأ الإرادة أن تتدخل لتنقله بشغف حميم إلى وجود بالفعل. وحيناً آخر تُعرف على نحو التمثيل لوجودات واقعية تحمل على التفكُّر في أمرها، إما لجهة الإبقاء او لجهة الاستمرار لقلب السيرورة إلى وجهة أخرى.
ولأن الأيديولوجيا بسيطة، فإنها لا تدرك إلاَّ بالتركيب. لذا فهي في هذا المعنى عالم علاقات، لا تقوم إلاَّ به. أي عبر تفاعل الأجزاء الحية لذلك العالم، بما يمكن القول إن ثمة شَبَهاً بين الأيديولوجيا والعلاقة.
إذ تبعاً لقاعدة البساطة والتركيب، يبدو المفهومان وكأنهما يستويان على نصاب واحد. فالعلاقة لا تحدث إلاَّ بين حدَّين وأكثر. لو لم توجد الحدود فلا وجود للعلاقة. فإنها ـ أي العلاقة ـ على ما تنظر الفلسفة، هي أوهن مقولات الفكر، وهي الأكثر زوالاً وتبدلاً. ومع ذلك فهي موجودة مع كونها غير قائمة بذاتها.
بها تظهر الأشياء متحدة من دون أن تختلط، متميزة من دون أن تتفكك. وبها تنتظم الأشياء، وتتألف فكرة الكون. إنها تقتضي الوحدة والكثرة في آن. هي واحدة، وكثيرة بحكم خصيصة الألفة التي حظيت بها بين البساطة والتركيب.
إنها صوب آخر، تطلُّع، وميلٌ، ومرجعٌ، ويقتضي دائماً لظهوره وجود كائنين متقابلين على الأقل؛ صاحب العلاقة وقطبها الآخر، ثم الاتصال بينهما.
لو قُيِّض لنا أن نرى إلى الأيديولوجيا بوصفها كينونة فلسفية، لقلنا إنها العلم بممارسة الأفكار. أو العلم بجدلية ارتباط الأفكار المُحدِثة للأشياء، بالأشياء المحدِثة للأفكار. أما مجال عملها فيمكث على خط العلاقة الذي يصل الفكرة بالحدث، والحادث بالفكرة التي يعيد صنعها على نشأة أخرى.
أما خط العلاقة فيشتد ويرتخي، ينقبض وينبسط داخل حركة جوهرية، تتفاعل فيها الإرادة المنتجة للفكرة، بإرادة الموضوع الذي تقصده تلك الفكرة لتغيِّره. فيتحصَّل من ذلك خروج الظاهرة الأيديولوجية إلى ميدان الحركة والصراع.
عالم اليوم هو عالم ممتلئ بأفكار لا مناص لها من التحيُّز. ولكي تجد سبيلها إلى التحقق، فلن تكون بريئة ولا محايدة.. بل هي تبدو كما لو أنها تستأنف رحلتها على أحصنة ضارية!
باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»
