في ما كانت الأوساط السياسية اللبنانية الأسبوع الفائت، منشغلة بمسألة حضور لبنان أو عدم حضوره القمة العربية المقررة في ليبيا، وبمسألة إجراء الانتخابات البلدية أو إرجائها، وبمسألة إنجاز الموازنة لإحالتها إلى المجلس النيابي.

فوجئت هذه الأوساط على تنوعها السياسي، بالهجوم الحاد الذي شنه الوزير السابق وئام وهاب المقرب جداً من الحكم السوري، على رئيس الجمهورية ميشال سليمان، مطالباً إياه بالخروج من الوسطية التي يلتزمها بين الفرقاء السياسيين أو المبادرة إلى الاستقالة.

كثيرون تساءلوا عن خلفيات هذا الوقف وتوقيته وتداعياته، فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الهجوم؟ هل نحن أمام بداية حملة منظمة على رئيس الجمهورية؟ وهل تقف سوريا خلف هذا الهجوم؟

في البداية، يجب أن نسجل أنها المرة الأولى التي يتعرض فيها رئيس الجمهورية اللبنانية إلى مثل هذا التهجم الحاد، وهو ما زال في مستهل السنة الثانية من عهده. فالرئيس السابق أمين الجميل واجه مقاطعة سياسية واسعة، بينما كان في مطلع السنة الخامسة من عهده.

والأمر نفسه يصح على الرئيس العماد إميل لحود، الذي واجهته المعارضة بمقاطعة قاسية ودعوات متتالية إلى الاستقالة، في ما كان أيضاً في السنة الخامسة من عهده. فلماذا المبادرة باكراً إلى المطالبة باستقالة رئيس أتى بإجماع نيابي وموافقة عربية مثلّتها قمة الدوحة والتوافق السوري ـ السعودي؟

يجب أن يسجل ثانياً أن هذا الهجوم أتى في سياق انتقادات متتالية، تعرض لها رئيس الجمهورية من صحف قريبة من سوريا، فماذا يعيبون عليه؟

يعيبون عليه أولاً، أن البيان الختامي الذي صدر بعد جلسة الحوار الأولى في القصر الجمهوري، خلا من أية إشارة إلى المقاومة كطرف أساسي في الدفاع عن السيادة اللبنانية، في وجه الانتهاكات الإسرائيلية.

ويعيبون عليه أن دعوته إلى انعقاد طاولة الحوار أتت بعد إلحاح أميركي على عقد هذه الطاولة، ودعوة مماثلة من أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، ما اعتبر رضوخاً للمشيئة الأميركية. ويعيبون عليه ثالثاً.

أنه تأخر في الرد السلبي على دعوة لبنان إلى المشاركة في القمة العربية من جانب ليبيا، التي تتهمها أطراف لبنانية أساسية بأنها وراء اختفاء الامام موسى الصدر خلال زيارته لها في العام 1978.

ويعيبون عليه أنه بادر إلى الاجتماع منفرداً بالرئيس الأميركي باراك أوباما، من دون حضور أي مسؤول لبناني رفيع إلى جانبه، ما اعتبر تفرداً من جانب الرئاسة.

فهل هذه المبررات كافية لبدء التعرض لمقام الرئاسة؟

المراقبون المطلعون يوردون أسباباً أخرى، هي التي تفسر مثل هذه الخطوة: يعتبر هؤلاء أن ثمة انزعاجاً سورياً ضمنياً أو شبه ضمني، من موقف رئيس الجمهورية الذي يصر على تبني الموقف الوسطي بين 8 و14 آذار، والترويج لنظرية الوسطية في أدائه السياسي وفلسفته في الحكم.

ويعتبر المطلعون أن الحكم السوري وحلفاءه باتوا، بعد اتفاق الدوحة واختلال موازين القوى السياسية والعسكرية في البلاد لمصلحة 8 آذار، لا يرتضون هذا الموقف الوسطي، ويرون أن ميزان القوى يلزم رئيس الجمهورية بموقف أكثر انحيازاً إلى أطروحات فريق 8 آذار المدعوم كلياً من القيادة السورية.

ويعتبر هؤلاء المراقبون أن الرئيس يغالي كثيراً في التأكيد على دور الجيش اللبناني في الدفاع عن سيادة لبنان، مقللاً من شأن دور المقاومة، أو موازناً بينها وبين الجيش.

ويضيف هؤلاء أن رئيس الجمهورية هو وراء الدعم الأميركي المتزايد للجيش، تسليحاً ودعماً مالياً، وأن الهدف المضمر هو تشكيل قوة عسكرية ضاربة، يمكن أن توازن القوة العسكرية ل«حزب الله».

ويعتبر هؤلاء أيضاً أن ثمة وعداً مستتراً قطعته القيادة السورية للعماد ميشال عون، بأن يتولى رئاسة الجمهورية بعد مرحلة انتقالية للرئيس ميشال سليمان مدتها سنتان، وأن هذا الوعد يقف خلف بدء طرح موضوع استقالة الرئيس، من جانب شخصية سياسية شديدة القرب تاريخياً من سوريا.

وينتهي المراقبون إلى القول إن دمشق تؤثر رئيساً موالياً لها بصورة مطلقة، على غرار الرئيس السابق العماد اميل لحود، وأنها عبرت عن خيارها هذا من خلال الاستقبال المميز جداً الذي خصت به العماد ميشال عون خلال زيارته لسوريا.

حيث عومل معاملة الرؤساء الكبار، كما عبر عن الموقف عينه الامتناع عن دعوة الرئيس سليمان إلى القمة التي عقدت بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الإيراني أحمدي نجاد، والاستعاضة عن ذلك بدعوة أمين عام حزب الله حسن نصر الله إلى المشاركة في هذه القمة.

ما مستقبل هذا الهجوم؟ وهل يكون طلائع حملة مبرمجة ومنسقة؟

العارفون ببواطن السياسة يقللون من شأن هذا الموقف، بدليل الاستنكار الشامل له من جانب جميع الأحزاب والقوى اللبنانية، سواء الحليفة لسوريا أو غير الحليفة. ويضيفون أن ثمة مانعاً دستورياً أمام مستقبل دعوة كهذه إلى الاستقالة.

أولًا؛ لأن الرئيس نفسه مطمئن إلى الدعم السوري له، وهو ليس في وارد أية استقالة. وثانياً؛ لأن الإقالة ليست ميسورة إلا بعلة الخيانة العظمى، كما هو وارد في المادة 71 من الدستور اللبناني.

هل نحن أمام صوت لا صدى له؟ حتى الآن ما زلنا أمام دعوة منفردة، لا أمام حملة واسعة.. فهل تنطفئ مثل هذه الدعوة أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟!

كاتب لبناني

opinion@albayan.ae