انعقدت في الجزائر، الأسبوع الماضي، الندوة الوزارية لدول الساحل الصحراوي المخصصة لدرس سبل التعاون في التصدي لنشاطات تنظيم القاعدة، وحضرها وزراء خارجية كل من مالي وليبيا وموريتانيا وتشاد والنيجر وسفير بوركينا فاسو في الجزائر نيابة عن وزير الخارجية..
وحدد الاجتماع ما يمكن وصفه ب«اتفاق شرف» يضمن عدم التنازل أمام ضغوط تنظيم القاعدة أو أي أنظمة غربية تدعو إلى التحاور معه لتأمين الإفراج عن رهائن، والتشديد على تطبيق قرار الأمم المتحدة الذي يمنع دفع فدية للجماعات الإرهابية.
وجاء الاجتماع في ظل وجود خلافات بين الجزائر ومالي، حول مواجهة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في منطقة الساحل، على خلفية إفراج باماكو عن سلفيين جزائريين مطلوبين لدى القضاء الجزائري مقابل إفراج «القاعدة» عن رهينة فرنسي.
إلا أن المراقبين الذين حضروا الاجتماع لاحظوا أن الارتياح كان بادياً على وزير خارجية مالي، الذي أكد للصحافيين ان علاقات بلاده بالجزائر على ما يرام.
وعلى الرغم من أن جلسات الاجتماع كانت مغلقة، إلا أن هناك معلومات تسربت عنه تؤكد أن الجزائر أعلنت عن استعدادها لتقديم أي مساعدة تقنية وعسكرية لدول الجوار من أجل مواجهة القاعدة، وأن النيجر جددت على لسان موفدها حاجتها للنظر في مساعدات ترغب فيها لتأمين حدودها.
وأشارت مصادر إلى انه تم اتفاق على إنشاء خلية تحليل أمني مشتركة بين دول الساحل الصحراوي، تتضمن بيانات عناصر تنظيم القاعد في المنطقة، وهوية المعتقلين والتهم الموجهة إليهم، وإمكان أن تحقق مصالح أمن دولهم معهم ولو في سجون دول أخرى في المنطقة.
وقد أوضح وزير الخارجية الجزائري أن بلدان منطقة الساحل الصحراوي كلها، تدرك أن الأمن والسلم شرطان مسبقان للتنمية، وأن الإرهاب وتحالفاته مع الجريمة المنظمة يمثل تهديداً حقيقياً وموضوعياً للسلم والاستقرار.
مضيفاً أن بلاده ترى أن الخطر الإرهابي لا يزال من دون تقييم حقيقي في الساحل الصحراوي، وبالتالي فلا بد من أن تتحرك دول المنطقة بكل حزم، من خلال تدابير جماعية ملموسة لتفعيل آليات التعاون الثنائي الإقليمي والدولي التي يجب تحسينها وتكييفها إن اقتضى الأمر.
وعلى الرغم من أن المغرب استبعد من هذا اللقاء الجماعي، بحجة أنه ليس من دول الساحل الصحراوي، فإن رؤيته للمسألة لا تختلف عن رؤية الجزائر، حيث دعا المغرب الدول العربية إلى «التنسيق وتوحيد الجهود في الحرب على الإرهاب».
وقال وزير الداخلية المغربي الطيب الشرقاوي أمام مجلس وزراء الداخلية العرب في تونس، إن الأحداث الإرهابية التي سجلت في السنوات الأخيرة، أظهرت أن الشبكات الإرهابية أصبحت تشكل خطراً وتهديداً حقيقياً للسلم في المنطقة العربية والعالم.
وأضاف ان ما يزيد في خطورتها، ارتباطها الوثيق بالجريمة المنظمة وتهريب البشر والمخدرات وتبييض الأموال والاتجار في الأسلحة، وأن الدول العربية مدعوة إلى تنسيق وتوحيد جهودها وتوفير الموارد البشرية والتقنية اللازمة، وكذلك تفعيل دور شُعَب الاتصال بين هذه الدول والتنفيذ الأمثل للاستراتيجية العربية في الحرب على الإرهاب.
وتصريحات الجانبين الجزائري والمغربي تؤكد أن التعاون المشترك في مجال التصدي للعمليات الإرهابية، سواء في إطار ثنائي أو ضمن تكتل إقليمي جماعي، يمكن ان يكون مدخلاً مناسباً لتحسين العلاقات بين الجانبين، خاصة وان القمة المغربية الأوروبية التي عقدت منذ أيام في مدينة غرناطة الإسبانية.
كان من بين الموضوعات التي ناقشتها بجدية مسألة الأمن في منطقة شمال إفريقيا، وهو ما يعني أن هناك توافقاً بين أوروبا ودول الساحل الصحراوي، ودول شمال إفريقيا ممثلة في المغرب وتونس.
وهما الدولتان غير العضوين في الساحل الصحراوي، على أهمية مواجهة الإرهاب في المنطقة، وعلى أن هناك ربطاً بين هذه الظاهرة وظاهرة الجريمة المنظمة، بما فيها تهريب البضائع والمخدرات والعصابات التي تنظم رحلات الهجرة غير الشرعية.
وهذا المنطق يعني أن الحاجة لمواجهة الإرهاب تحتاج إلى جهد جماعي، وأن هذا الجهد الجماعي قد انطلق بصورة رسمية، وأن هناك أطراً مختلفة تشمل هذا التعاون الجماعي.
فإذا كان المغرب قد استبعد من اجتماع الجزائر الذي ضم دول الساحل الصحراوي، فهذا لا يعني أن التنسيق بينه وبين الجزائر لم يعد ممكناً، خاصة في ظل الجمود الذي أصاب الاتحاد المغاربي.
وإنما هذا التنسيق يمكن أن يكون من داخل إطار جامعة الدول العربية، وهي المكان الذي أعلن فيه وزير الداخلية المغربي رؤية بلاده للإرهاب في المنطقة، وهي لا تختلف عن رؤية الجزائر التي أعلنها وزير خارجيتها في اجتماع وزراء خارجية دول الساحل الصحراوي.
وبالتالي فإن الأسبوع الماضي يمكن ان يكون بداية العمل الجماعي في منطقتي المغرب العربي والساحل الصحراوي لمواجهة خطر تنظيم القاعدة، الذي ثبت من التجربة العملية خلال السنوات السابقة التي شهدت عملياته في المنطقة، أي منذ 2006 وحتى الآن.
انه يستفيد جيداً من الخلافات بين دول المنطقة ويلعب على تناقضاتها، ويستفيد من عدم التنسيق الكافي فيما بينها. ففي الوقت الذي يتعامل فيه تنظيم القاعدة مع المنطقة باعتبارها وحدة جغرافية واحدة، تتعامل معه دول المنطقة بصورة فردية وتصعب بالتالي مواجهته بهذا الأسلوب.
ولكن دول المنطقة أدركت هذا الأمر، وبدأت بالفعل التصدي الجماعي له، عبر الإدراك النظري من جهة وعبر التنسيق الجماعي الحقيقي من جهة ثانية، وهو ما ينتظر أن تظهر نتائجه في الفترة المقبلة، بعد أن يبدأ تنفيذ قرارات اجتماع الجزائر.
كاتب مصري