فرضت العولمة واقعاً اقتصادياً، تمثل أهم ملامحه في هذا التدويل للكيانات الاقتصادية والإنتاجية، وظهور ما يسمي «الشركات متعددة أو متعدية الجنسيات»..
ودون الخوض في تفاصيل من المستفيد الأكبر من الوضع الجديد لحالة الاقتصاد العالمي، إلا أن تجليات العولمة لم تتوقف عند هذا الحد، فقد سعت الدول الكبرى إلى فرض حالة من حالات التنميط ومسخ الكل في واحد ثقافياً..
ظناً منها بأن هذا التوحد، الذي هو ضد طبيعة التكوين البشري ويناقض أسس الحضارة الإنسانية، يمثل سياجاً أمنياً يصون وجودها ومصالحها، والشاهد ما قاله توماس فريدمان أحد أكثر الأصوات تحمساً للعولمة: «لن تقوم حرب بين دولتين فيهما مطعم مكدونالدز».
وإذا كانت الدول الغربية في مرحلتها الاستعمارية، استخدمت القوة الخشنة «العسكرية» لتحقيق أهدافها وفرض هيمنتها، إلا أنها استبدلتها نتيجة لمتغيرات العصر بما يطلق عليه «القوة الناعمة».
وأهم صورها ذلك الحضور الطاغي علي الساحة الثقافية العالمية، والسيطرة على أهم أدواتها، وهي اللغة التي تعتبر مكوناً أساسياً من مكونات هوية أية أمة، والشفرة التي تعرف وتتميز بها عن غيرها، ولذا يطلق عليها دائماً «اللغة الأم».
فاختيار كلمة «الأم» يعطي دلالة واضحة على تلك المكانة الكبيرة التي تحتلها في نفوس المنتسبين إليها، والعلاقة القدرية التي لا نستطيع الفكاك منها، حتى وإن أردنا.
إن حالة السيولة التي يعيشها العالم الآن من تلاشي الحدود بين الدول اقتصادياً وثقافياً، زادت من التحديات التي تواجهها اللغة العربية التي أخفقت أحياناً في مواجهتها، لا لعجز فيها، بقدر ما هو خذلان أبنائها لها، وانتصرت كثيراً بقوة الدفع الذاتية الكامنة في داخلها، والمتمثلة في قول الله عز وجل: «كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (فصلت:3).
إن أكبر التحديات التي تواجه اللغة العربية، هي تلك الصدمة الحضارية التي تعرض لها أبناء لغة الضاد، وما نتج عنها من حالة انبهار بغيرها من اللغات، ما مثّل حالة من الانكسار النفسي والانهزام الداخلي.
ويزداد هذا التحدي في مجتمعاتنا نتيجة للعديد من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، حيث تجد العديد من الشركات والمؤسسات الخاصة في الدولة، تكتب لافتاتها بلغات أجنبية، وتعتمد عليها في كتابة عقودها ومراسلاتها، على الرغم من أن ذلك مجرّم قانونياً في العديد من الدول الغربية التي تشترط الالتزام بلغتها الأصلية في مختلف التعاملات..
بل إنك في كثير من الأحيان، لا تجد من يجيبك في بعض البلدان إذا تحدثت بلغة غير لغته، اعتزازاً منه بها، ولإدراكه أنها تمثل جزءاً من الكرامة الوطنية التي يجب على الآخرين أن يصونوها ما داموا على أرضه.
وفي سوق العمل أصبح شرط إجادة لغة أجنبية أساسياً للالتحاق بالوظائف، حتى وإن لم تكن طبيعة الوظيفة تحتاج ذلك، وإنما كشكل من أشكال الوجاهة المجتمعية، ما يزيد الفجوة بين الناشئة والشباب وبين لغتهم التي تحول بينهم وبين الدخول إلى سوق العمل، القاصر على غيرهم من الجنسيات الأخرى، ما يعني مزيداً من استقدام العمالة الأجنبية، مع ما ينتج عنها من خلل التركيبة السكانية.
وقد كان مأمولاً من وسائل الإعلام في مجتمعاتنا العربية أن تكون أداة لنشر لغتنا الجميلة، إلا أن الواقع يثبت غير ذلك، فالبرامج التي تقدم باللغة العربية نادرة، وان وجدت فهي جامدة، فقيرة في الإعداد والإخراج، ومنفرة في التقديم، فضلاً عن التقعر وأخطاء النطق..
فشرط إجادة اللغة العربية الفصحى، غير مطروح للالتحاق بالعمل الإعلامي، بل إن الدراما العربية ساعدت على زيادة الفجوة بين الفصحى ومشاهديها، من خلال ترسيخ صورة ذهنية كوميدية تنفر من اللغة العربية، بل إنها نحتت لغة جديدة بمفردات جديدة انتشرت بين الشباب، ليست من الفصحى ولا العامية، ولها قاموسها غير المكتوب.
وليس مقصدي هنا نبذ تعلم اللغات الأخرى، فبلال بن رباح كان يجيد اللغة الحبشية، وسلمان كان يجيد الفارسية، وصهيب كان يعرف اللغة الرومية، وطلب النبي صلي الله عليه وسلم من زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية فأجادها خلال فترة وجيزة، ولكن لم يكن ذلك على حساب اللغة العربية.
والحق أن قيادتنا السياسية الرشيدة كانت دائماً مع نصرة اللغة العربية، من خلال إصدارها للعديد من القرارات التي من شأنها وضع اللغة العربية في المكانة اللائقة بها، إلا أن الأمر يتطلب المتابعة من قبل الجهات المختصة.
ومن هنا فإنني أدعو مختلف الهيئات والمؤسسات الحكومية والخاصة، وجمعيات المجتمع المدني، والآباء والأمهات وكل المعنيين والمهتمين، وجمعية اللغة العربية، إلى أن نخصص أسبوعاً كل عام تكون الفصحى فيه هي لغة التخاطب بين أبنائها، لإزالة هذه الوحشة القائمة. وإذا كانت هذه الدعوة قد جاءت متأخرة، فأن نتأخر في فعل أشياء مهمة، أفضل من ألا نفعلها أبداً.
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا