في أسبوع واحد فقد العالم العربي رجلين مهمين، ولكنهما أيضاً على طرفي نقيض: فضيلة الشيخ سيد طنطاوي شيخ الأزهر، والدكتور فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة في جامعة عين شمس والكويت، والكاتب المرموق. والذكريات التي تتابعت على الذهن لدى سماع خبر وفاتهما، تثير مشاعر كثيرة ومتضاربة.

كان الرجلان يناديان بتحكيم العقل في ما يعرض من أمور، ويدعوان إلى التسامح الديني، ويحاربان التطرف، ولكنهما كانا يختلفان أشد الاختلاف في ما عدا ذلك، بل ويختلفان حتى في ما يعنيانه ب«تحكيم العقل»، أو ب«التسامح الديني» أو ب«التطرف» المطلوب محاربته.

من ذلك اختلافهما في موقفهما من السلطة. فالدكتور فؤاد زكريا لا يمكن أن يتذكر له أحد موقفاً ممالئاً للسلطة، سواء في عهد عبدالناصر أو السادات أو مبارك. كان معارضاً لهم جميعاً، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.

كان معارضاً لعبدالناصر بسبب دكتاتوريته، وللسادات لإفراطه في الانفتاح على النموذج الأميركي، ولمبارك بسبب التدهور الذي أصاب الحياة الثقافية والسياسية.

ولم يتردد فؤاد زكريا في إعلان معارضته للحاكم حتى وهو على قيد الحياة، ومن ثم لم يحظ في ظل أي حاكم من الحكام الثلاثة بالمزايا التي يستحقها، ولكنه أيضاً لم يتعرض للتشريد أو العقاب.

على العكس من ذلك، نجد أن الشيخ طنطاوي كان على علاقة طيبة دائماً بالسلطة، فلما اعتلى منصب شيخ الأزهر كان حريصاً دائماً على استطلاع رأي الحكومة في المواقف المهمة، على الرغم مما يجب أن تتمتع به مؤسسة الأزهر من استقلال.

والدكتور فؤاد زكريا كان معادياً وكارهاً صريحاً لدولة إسرائيل، بينما أبدى شيخ الأزهر استعداداً مدهشاً للمهادنة، على أساس أن الدولة قد عقدت معاهدة صلح مع إسرائيل.

كما أبدى استعداده للاشتراك مع إسرائيليين في ندوات تحت شعار «الحوار بين الأديان»، واعتبر أن هذا هو ما يمليه عليه «التسامح الإسلامي»، دون تعليق أهمية على الآثار السياسية الضارة التي يمكن أن تترتب على هذا المفهوم للتسامح، ومع هذا العدو بالذات، وفي وقت كانت إسرائيل ترتكب فيه أعمالاً غاية في القسوة وقلة التسامح مع الفلسطينيين.

كان كلا الرجلين يميلان إلى تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، على نحو يتمشى مع مقتضيات الحياة العصرية، ويرفضان الذهاب إلى التشدد في التفسير إلى الحد الذي يتعارض مع متطلبات التنمية الاقتصادية والانفتاح على العالم، أو ما تطالب به المرأة اليوم من مساواة في المعاملة مع الرجل.

وهو موقف محمود من كلا الرجلين، ولكن لا يسعني إلا أن ألاحظ أن الموقف المتوقع من شيخ الأزهر والأليق بمنصبه، كان يتطلب تروياً أكبر، ومراعاة أكبر لمشاعر المتدينين الذين لا يمكن وصفهم بالتطرف.

لقد بدا شيخ الأزهر في بعض تصرفاته أكثر استعداداً للتغريب من بعض غُلاة المستغربين، وأكثر حدة في معارضة المعارضين لهذا التغريب مما يُتوقع ممن يعتلي هذا المنصب السامي.

لقد حدث منذ شهور قليلة أن زار الشيخ طنطاوي رحمه الله، أحد المعاهد الأزهرية، فرأى بعض الفتيات المنقبات، فإذا به يوجه بعض العبارات القاسية لفتاة منقبة صغيرة السن، إذ إنه لما سألها باستنكار عن سبب ارتدائها النقاب، وأجابته بأن هذا هو ما يقضي به الدين.

قال لها بحّدة إنه يفهم في الدين أكثر منها، وكان المتوقع ممن يحتل مثل منصبه أن يجادلها بالتي هي أحسن. بل إنه عندما استجابت الفتاة لأمره بخلع النقاب، صدرت منه عبارة مدهشة تحمل إشارة جارحة إلى قلة حظ هذه الفتاة من جمال الوجه.

لقد قرأت كتاباً للدكتور فؤاد زكريا بعنوان: «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة»، ينتقد فيه الحركات الدينية المتطرفة، والتفسير المتشدد للدين، فلم أصادف في الكتاب عبارة واحدة جارحة أو معنى يتضمن إهانة لأصحاب هذه المواقف.

لا عجب أننا طالعنا في الصحف الحكومية الصادرة في مصر، مقالات رثاء تحمل الكثير من عبارات الثناء والإطراء على الشيخ طنطاوي، ولكني لم أجد فيها حتى الآن مقالاً واحداً فيه رثاء أو إطراء للدكتور فؤاد زكريا.

لقد نشرت جريدة حكومية في مصر مقالاً لنقيب الصحافيين المصريين في رثاء شيخ الأزهر، أشاد فيه «بمحاولته المخلصة للتوفيق بين مقتضيات الشريعة ومتغيرات الحياة من خلال فهم حقيقي لروح الإسلام، يتسم بالاعتدال والسماحة».

ولكن الاعتدال والسماحة لهما معايير كثيرة بالطبع، والتفسير الحكومي للاعتدال والسماحة لا بد أن يختلف عن تفسير الآخرين لها.

لا يسع المرء إلا أن يلاحظ ما طرأ من تغير على مؤسسة الأزهر خلال العقود السابقة.

فعندما كتب الدكتور طه حسين في الثلاثينات من القرن الماضي قصة حياته في كتابه الشهير «الأيام»، ضمّن كتابه نقداً شديداً لمؤسسة الأزهر، وكان الاتهام الأساسي في هذا النقد هو اتهام بالجمود وبالرفض التام لمجاراة تغيرات العصر.

ولم يكن طه حسن وحيداً في هذا، بل كان هذا هو النقد الشائع للأزهر في ذلك الوقت. واستمر الأمر على هذه الحال حتى مجيء الدكتور طنطاوي شيخاً للأزهر، فأصبح من الملائم جداً والمبرر توجيه النقد لهذه المؤسسة بالإفراط في مسايرة تغيرات العصر، والاستجابة لدواعي السياسة الجارية بأكثر مما ينبغي.

لا شك أنه ليس ثمة مصلحة في الإفراط في الجمود، ولكن لا شك أيضاً في أن التساهل في قبول التغيير، يمكن أن ينتج عنه ضرر مماثل وربما ضرر أكبر.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu