بالرغم من الشتاء البارد استثنائيّاً هذه السنة في أوروبا الغربيّة وأميركا الشمالية، ما زالت الهواجس البيئيّة حوّل ظاهرة الاحتباس الحراري تتصاعد بقوّة في الأذهان، وتّتجه التطلّعات حول إيجاد بدائلٍ عن مصادر الطاقة الأحفوريّة (نفطاً، غازاً أو فحماً) التي تنتج الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري.
وتتدّعم هذه التطلّعات مع النموّ الاقتصادي المتسارع للدول الصاعدة (الصين والهند خاصّةً) بحيث يزداد استهلاكها من الطاقة الأحفوريّة، الذي إن وصل إلى مستويات الدول الصناعية للفرد الواحد فسيصعب تلبيته.
هذا عدا عن أنّ الطاقة الأحفورية محدودة وغير متجدّدة، بحيث يعود الحديث دوريّاً عن الأمد الذي ستأتي عنده «ذروة الإنتاج ذمفً ديٌ»، والتي لا بدّ من بعدها للإنتاج العالمي من أن يتراجع.
يدفع كلّ هذا إلى توجّه بلدانٍ كثيرة نحو الطاقة النووية، المعقّدة بطبيعة تقاناتها وآليّات أمانها، وكذلك نحو الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، اللتين تبدوان أسهل منالاً للوهنة الأولى.
وبما أنّ منطقتنا العربيّة «ثريّة» بشمسٍ لا تنضب، ومساحات صحراوية فارغة تلتقط طبيعيّاً أشعّتها، خرجت أطروحات تنادي أن تقوم البلدان العربيّة بالاستثمار بكثافة في الطاقة الشمسيّة حتّى يصل الأمر إلى تصديرها إلى أوروبا التي كثيراً ما تحجب الغيوم والضباب سماءها.
إنتاج الطاقة الشمسية وتصديرها طرحٌ يبعث الآمال، حتّى أنّ مشروع «الاتحاد من أجل المتوسّط»، العزيز على نيكولا ساركوزي رئيس الجمهورية الفرنسي، قد اعتمده كفكرةٍ أساسيّة وأدخله في مشاريع للتعاون المستقبلي مع بلدان جنوب المتوسّط العربيّة.
ثمّ أتت هيلاري كلينتون إلى المغرب لتعلن عن تعاون منافس عبر إنشاء محطّة ضخمة لإنتاج الطاقة الشمسيّة هناك. ولكن كلّ هذا في الوقت الذي وقّعت فيه المملكة المغربيّة على إنشاء أكبر محطّة لإنتاج الكهرباء... اعتمادا على الفحم.
وبمعزلٍ عن التأسف حيال القطيعة المغربية الجزائرية التي أدّت إلى استبدال النفط أو الغاز الجزائري بفحمٍ يأتي من أقاصي البحار، يأتي الخبراء ليشكّكوا في إمكانية الوصول إلى تصدير الطاقة الشمسيّة على المدى المنظور.
فصحيحٌ أنّه يمكن إنشاء مفاعلات تركّز الطاقة الشمسيّة بكلفة معقولة، بحيث تصل استطاعتها الإنتاجية إلى مستوى المحطات الكهربائيّة التقليديّة أو النوويّة؛ إلاّ أن الشمس لا تشرق إلاّ في النهار، ولا تزال تكلفة تخزين هذه الطاقة لاستخدامها في الليل كبيرة حتّى اليوم.
من ناحية أخرى، لا تحبّ الشبكات الكهربائية العابرة للقارات أن تتأقلم مع وتيرة إنتاج المحطّات، بل على العكس تفضّل إمّا سحب الطاقة منها حسب الحاجة (مثلاً في ذروة الاستهلاك المسائيّة) أو الاعتماد على تموين مستمرّ ثابت على مدى الساعة. ثمّ أنّ الصحراء لا تحوي شمساً فقط بل غباراً ورملاً كذلك، ممّا يتطلّب نفقات كبيرة من أجل تنظيف اللواقط الشمسيّة، مرآةً كانت أم خليّة كهرضوئيّة.
هذه المشاكل، بالإضافة إلى غيرها، تجعل من الوصول إلى إنتاج كهرباء من الطاقّة الشمسيّة بغية التصدير أمراً صعب المنال على المستوى المنظور. ولكن هذا لا يعني أنّه لا يمكن إنتاج هذه الكهرباء بغية توفير استهلاك الوقود أو لتسخين المياه للاستعمالات المنزليّة.
إن التوفير في استخدام الطاقة هدفٌ ضروريّ بحدّ ذاته، لكنّه لا يتماشى من حيث الجدوى الاقتصادية (القصيرة الأمد) مع انخفاض أسعار الوقود في الدول العربية المنتجة للنفط، مقارنةً مع غيرها من الدول، وهو يتطلّب تغيراً جذريّاً في النمط الاستهلاكي للطاقة المتوفّرة الرخيصة حسب الحاجة.
وبما أنّ هذا التوفير يأتي لكلّ بيتٍ على حدة ولكلّ ناطحة سحاب على حدة، فهو يتطلّب أيضاً توجّه الدول المعنيّة لفرض نظم وقواعد معياريّة تجبر الشركات الاستثمارية على تركيب تجهيزات توفير هذه الطاقة. كماً يتطلّب استثمارات كبيرة على مستوى الدول ومراكز بحوثها لتطوير تقانات تقلّل من حجم الاستثمارات المطلوبة.
ويمكن لاستخدامات الطاقة الشمسية أن تذهب أبعد من مجرّد مسألة التوفير وإنتاج الكهرباء. والمثال التطبيقي الأهمّ يكمن في تحلية مياه البحر لإنتاج ماءٍ للشرب أو الريّ، خصوصاً في مناطق معزولة.
رئيس منتدى الاقتصاديين العرب