إلى لحظة كتابة هذه السطور، فإن المسجد الأقصى يعتبر آخر قلاع المسلمين الرمزية التي وقفت في وجه الحملات الصليبية واليهودية. إن سقط اليوم خرت الأمم العربية الإسلامية كما تخر حبات السبحة.
العرب لم يعودوا أمة واحدة، والمسلمون لم يعودوا ملة واحدة: فهناك اليوم أمم عربية وأمم إسلامية قسمتها إلى شظايا متفرقة ليست فقط لعنة مخططات الاستعمار القديم والحديث، وإنما سوء النية وضعف الهمة وانعدام الضمير.
هنا عرب المشرق وهناك عرب المغرب، عرب الخليج وعرب الشام وعرب مصر وعرب الجزائر، وهناك مسلمو أفغانستان ومسلمو اليمن ومسلمو إيران ومسلمو اندونيسيا ومسلمو العراق، لا تجمعهم كلمة ولا يوحدهم فكر ولا يربطهم رابط ولا يردعهم رادع، كل يجلس في زاوية ويغني في الليل على ليلاه، وفي النهار على سوء الطالع وقلة الحيلة.
إننا شعوب ما زالت، وللأسف ما بعده أسف، تختبئ في خلاياها الجذعية جينات لبعض القبائل التي عاشت ولم تندثر في زمن ما قبل الإسلام، والتي تشتهي وأد المرأة وتقاتل لأجل ناقة وتعبد اللات والعزى، ولا يصل تفكيرها لأبعد من خنصرها.
ماذا يعني أن يصر آباء العرب وآباء المسلمين وآباؤهم مجتمعين، وهم يخرون سجدا لغير الله ويرجون غفران هذا ورحمة ذاك ويقتلون النفس التي حرم الله، ماذا يعني أن يصر هؤلاء على أن يمثلوا دور المثل الأعلى لمن يخلفهم من أبناء وأحفاد ممن ولدوا دون سابق إنذار، وأشربوا نفس الحمية، وألبسوا نفس العباءة، وحفظوا نفس اللغة التي لا تفتأ تتحدث بلهجة الشجب والندب والغضب والتحدي، وترفع قبضة الوعيد في الهواء .
وهي تنظر لنفسها مبتسمة في مرآة الصباح الذي أصبح كالصباح الذي سبقه، وكالصباح الذي سيلي بعده وربما إلى أن تقوم الساعة، تصلح من هيبتها الضائعة، وتنتظر كيف تملأ معدتها الجائعة، وهي تتغافل عن اختباء الذئب الذي ينتظرها وراء باب بيتها المصنوع من رخيص القش؟
لماذا لا يسافر هؤلاء إلى شعب اليابان ليتعلموا من رجالها فلسفة (الهاراكيري) التي تدعو إلى التخلص من النفس على يد صاحبها، إما خجلًا من عمل مخزٍ أو من موقف ترفضه عزة النفس الإنسانية أو من جبن يهد عزة الرجال؟
نحن اليوم نبكي كما تبكي النساء على مسجد، وعلى أرض، وعلى بقعة، وعلى شجرة زيتون، وعلى بيت، وعلى شارع في القدس، وحارة في رام الله وفي غزة وفي الخليل لم نحافظ عليها مثل الرجال.
وكل منا يلقي بلائمته على أخيه ثم جاره ثم صديقه الذي انقلب مع الوقت إلى عدو لدود، خوفا من تأنيب الضمير ومحاسبة الذات، وفرارا من المسؤولية كما يفر الرجل المهزوم النفس أمام منظر عرضه وهو ينتهك فلا يحميه، وبيته يسلب ولا يدافع عنه، وماله يسرق فلا يسترده، وماضيه المدون في الورق يمسح به اليهود أرضية معابدهم.
ماذا ورث لنا آباؤنا؟ (ماشي، على لهجة المصريين وأهل الشام)، لكن ماذا أورثنا وما نورث وما سنورث نحن لأبنائنا الذين ينامون في أحضان أمهاتهم الثكالى؟ عدم.
سكتنا على أننا شعوب تشبه الطفيليات التي تتكاثر وتعيش على غيرها، ولا ينفع تواجدها على كوكب الأرض الشعوب الأخرى في شيء، هذا إن لم تضرهم. نأكل مما تعجن وتخبز أيديهم، ونلبس مما ينسجون، ونركب ما يصنعون، وقد رحمنا الخالق بأن سخرهم لنا، فلولاهم لمتنا جوعاً، وخرجنا عراة وركبنا البغال والحمير.
سكتنا على أننا مع كثرتنا واتساع مساحات بلداننا وتنوعها وغنى أرضنا وصفاء سماءنا، اغتصبت أرضنا وشرد شعبنا واستعمرت أملاكنا ونحن نتفرج على أنفسنا كالبلهاء.
سكتنا على أننا نقاتل بعضنا شر قتال أمام دهشة عدونا، ونسرق أرض جارنا رغم كرم الله علينا بأرض أوسع من أرضه، وليس لنا بسعتها من غرض سوى التباهي بالغلبة، ونصادق أعداءنا ضد أصدقائنا.
سكتنا أن يعتدى علينا ونحن صامتون (وليس صامدون)، ونهان ونحن راضون، ونرفض ونحن قابلون غير معترضين، ونطرد ونحن فرحون، ومع هذا نردد مع اتجاهات الرياح الأربعة أننا حماة فلسطين والقدس وبيت المقدس وأننا كلنا صلاح الدين. وبين صلاح الدين وخراب الدين ما بين حد السيف وطول الرمح وحنكة صلاح الدين.
واليوم تهتز أركان المسجد الأقصى وأعمدته وسقفه وجدرانه وأساساته، والدودة السامة عشيقة العم سام تحفر ليل نهار تحت القبة المذهبة منذ عهود مضت وأعمالها مستمرة وستستمر والعرب يضحكون ويأكلون ويشربون ويلبسون الحرير وينامون على ريش النعام ويحلمون بعودة فلسطين محررة، حتى يأتي اليوم يسقط في أيديهم كما سقط في أيديهم من قبل ومن بعد، ويرتفع في موضع رمز الإسلام المذهب رمز اليهود الأزرق.
بالأمس صادق الكنيست الإسرائيلي على مشروع (قانون النكبة) الذي يحرم على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 إحياء يوم النكبة الفلسطيني!
سخرية ما بعدها سخرية على الطريقة الهوليوودية، وكأن أمم العرب وأمم المسلمين تحرك مشاعرهم ذكرى النكبة بل النكبات الأخرى التي تعودوا على حملها على ظهورهم منذ مقتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
جامعة الإمارات