حينما كان الروس يصطفون في طوابير أمام مطاعم «ماكدونالدز» الأميركية وسط الثلوج إبان آخر أيام «البروسترويكا» ال«غورباتشوفية» علهم يظفرون بشطيرة «هامبورغر»، لم يكن يدور بخلدهم أن الديمقراطية التي طالبوا بها خلاصاً من الاتحاد السوفييتي البائد ستنقلب وبالاً وتأتي ب«شيوعيين مقنعين وصوليين» إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع هذه المرة، وليس من خلال ثورة ال«بروليتاريا».
حينما خرج الروس إلى الشوارع أواخر الثمانينات فرحين بدفن الدولة الشيوعية التي لقنتهم من وراء ستارها الحديدي المتآكل أن سيارات «لادا» هي الأفضل، وشققهم المعلبة السوفييتية هي الأفخم.
وما تجود بها مزارع الدولة ومصانعها هو الألذ، وأنهم الأسعد، لم يكن هؤلاء يعلمون أن الأمر سينتهي بهم إلى نظامٍ يقفون فيه متفرجين على رخاء الطبقة الحاكمة التي وصلت إلى الكرملين بوساطة انتخابات «نصف ديمقراطية».
كانت حقبة الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين بحق وصمة عار في جبين الروس الذين أوصلوا إلى كرسي الرئاسة رجلاً قصف مبنى البرلمان وراقص مرافقاته وعشق ال«الفودكا»، فقلما استيقظ من سكرات حكمه عبر عقدٍ من الزمن، لتستغلها حاشيته فتعمل نهباً في موارد البلاد التي غطت في سبات الهجرة ورمت بنسائها على قارعة كازينوهات أوروبا وبرجالها بين زواريب عالم المافيا السفلي.
ومن وحي هذا النظام المغرق في خصوصيته الفريدة من نوعها، فلا هو حر ولا هو شمولي بالمعنى الحقيقي للكلمتين، خرج العهد ال«بوتيني» في العقد الثاني من عمر روسيا.
ولد الرئيس الروسي السابق، ورئيس الوزراء الحالي والأسبق أيضاً، فلاديمير بوتين من رحم تلك التركيبة الهجينة الجامعة لمساوئ الدكتاتورية من جهة وشوائب الديمقراطية من جهةٍ أخرى، فكان الابن البار ليلتسين خلال فترة نزاع الأخير مع مجلس ال«دوما» وتبديله لرؤساء وزرائه كما جواربه.
استغل بوتين حرب الشيشان الثانية، المثيرة للجدل بدوافعها وخلفياتها، ليظهر بمظهر تلك الشخصية الوطنية الحازمة الهادئة والمقاتلة ويقبض شيئاً فشيئاً على تلابيب الحكم.
وبالتدريج، ترسخ في عهده مبدأ دولة «الكل في واحد»، فذهبت وسائل الإعلام إلى مقربيه ووضعت الحكومة يدها على المرافق الحيوية في البلاد وتخلصت من الأوليغاركيين غير المرغوب فيهم سجناً ونفياً ووضعت تحت جناحيها من بقي منهم وتوسعت سيطرة أجهزتها المتنوعة في مقابل تضاؤل حق التجمع وتهميش الحريات العامة وتضعضع وسائل الإعلام غير الحكومية.
واستهداف الإعلاميين المستقلين ونزع مخالب البرلمان، فضلاً عن العودة إلى ظاهرة التصفية الجسدية للمعارضين، وهي عادة سوفييتية قديمة يتندر منتقدو بوتين بالقول إن تاريخه الاستخباراتي العتيد أغراه بإحيائها.
والحال، أن بوتين، حينما سلم الراية إلى خلفه وابن مدينته سانت بطرسبرغ ديمتري ميدفيديف وعاد إلى رئاسة الحكومة، كان يعلم علم اليقين أنه سيصبح أكثر مما كان يوليوس قيصر. يفضل: الأول في قرية والأول في روما أيضاً!!
ولذا ينسب إليه مؤيدوه الفضل في «الانتصار»، المدمر أخلاقياً والمكلف إنسانياً، في حرب جورجيا وإعادة أوكرانيا إلى الحظيرة السوفييتية القديمة عبر «حلفائه» هناك، والذين يبدو أنه فهم كيفية صنعهم خلال سني خدمته لدى الاستخبارات السوفييتية في ألمانيا الشرقية.
ومن سخرية الأقدار، أن الاتهامات التي يكيلها معارضو بوتين إليه بوصفه يكن حنيناً مبطناً للشيوعية الستالينية بشموليتها الديماغوجية وتسلطها الأبوي، تأتي وسط اتهامات الشيوعيين الروس له بأنه كان السبب وراء القضاء المبرم على حزبهم، بأن «سرق» أنصارهم الذين فضلوا العيش تحت كنف «قيصر» روسيا الجديد، ليكرروا فشلاً سابقاً!!