الاختلال الوظيفي في مجلس الشيوخ الأميركي يبدو أنه وصل الآن إلى أعماق بعيدة. ففي البداية شاهدنا كيف قرر الجمهوريون، بصورة منهجية، إعاقة كل تصويت رئيسي، وأنهوا دور الأغلبية بصورة فعالة من خلال مطالبهم المشددة بالحصول على 60 صوتاً للمصادقة على أي قانون أو تشريع يمر عبر مجلس الشيوخ.

والآن استخدم صلاحية القدرة على عرقلة مشاريع القوانين السناتور الجمهوري عن ولاية كنتاكي جيم باننغ، الذي لا يفكر بإعادة ترشيح نفسه لإعادة انتخابه مجددا في مجلس الشيوخ.

وكان هدفه منع تمديد إعانات البطالة 30 يوماً، وكذلك المعونة المقدمة لمدفوعات التأمين الصحي، علاوة على تلك المقدمة لسلسلة من برامج الرعاية الصحية الرئيسية. وشدد باننغ على أن الديمقراطيين ضغطوا من أجل التصويت المتكرر على ذلك التشريع في محاولة للمصادقة عليه. واشتكى في غضون ذلك أنه افتقد كثيرا مباراة كرة السلة التي جرت بين فريقي كنتاكي وجنوب كارولينا.

هذا شيء مخجل تماما. ربما يكون باننغ قد افتقد مباراة في كرة السلة، غير أن مكاتب البطالة الحكومية كانت مضطرة لإرسال ملايين الرسائل التي تبلغ أصحابها أن معونة البطالة الخاصة بهم قد أوقف صرفها، وأنهم لا يستطيعون تمديد التأمين الصحي لعائلاتهم تبعا لذلك.

كما أبلغ الأطباء أنهم سيتعرضون لخصم ما نسبته 21% من مساعدات الرعاية الطبية.

وحصل 2000 موظف فيدرالي في هيئة النقل العام على إجازات دون الحصول على مستحقاتهم، كما جمدت المعونات الفيدرالية البالغة 190 مليون دولار، والمخصصة لتحسينات الطرق السريعة في مختلف الولايات الأميركية، علاوة على تجميد قروض بعض الشركات الصغيرة.

وهناك نحو أكثر من عشرة ملايين عاطل عن العمل في ولاية كنتاكي، التي يحكمها باننغ. فهل لدى السناتور أدنى فكرة كيف يكون الحال عند مواجهة البطالة في هذا الوضع الاقتصادي المزري؟ هناك منافسة شديدة على الوظائف الشاغرة، بحيث إنه يتقدم لكل وظيفة أكثر من ستة أشخاص من العاطلين عن العمل. وكل فرد من العائلات الأميركية يبحث عن وسائل لتعزيز النفقات.

وأصبح الناس يحسبون حساب المبالغ الضئيلة، بالسنتات، وليس بالدولارات، وكل فاتورة تصدر عن إحدى الدوائر أصبحت تشكل محنة للأهالي. واضطر الناس لاتخاذ قرارات صعبة.

وربما أصبحوا يختصرون وجباتهم الغذائية لضمان حصول أطفالهم على الطعام. وبلغت البطاقات الائتمانية حدها الأقصى وتمزقت، لكي يتم تأمين الرهونات العقارية. وبلغ التوتر حده الأقصى وسط استحقاق مزيد من الدائنين لمستحقاتهم، وفقدان مزيد من الفواتير.

وتحت هذه الضغوط المكثفة، تعرضت العديد من الأسر الجديدة للتوتر الشديد. وأدى الاكتئاب، والغضب، والشعور بالفشل، بين أفرادها للإسراف في شرب الكحول، أو ما هو أسوأ من ذلك. كما أدى البحث المتواصل عن وظائف شاغرة إلى الشعور بالنبذ المستمر.

ويبلغ عدد الأميركيين العاطلين عن العمل، أو الذين يعملون بصورة جزئية، في الوقت الحالي نحو 29 مليون شخص. وفي خضم ذلك يأتي سناتور متعجرف وغاضب، لأنه مضطر لتفويت مشاهدة مباراته المفضلة في كرة السلة على التلفزيون، لكي يضمن وصول مذكرات تجميد المعونة إلى ملايين الأميركيين في الوقت المناسب. والأنكى من ذلك أن الوكالات الحكومية ستتحمل التكاليف الزائدة الناجمة عن إغلاق برامج الرعاية الصحية، ثم تشغيله من جديد.

والمعروف أن كوبونات التأمين ضد البطالة والمواد الغذائية تعتبر من أفضل برامج العمل في أية خطة تعافي، وتحقيق اكبر عائد للدولار، والسبب في ذلك في غاية البساطة، فالموظف ينفق كل سنت لديه على نفقاته، ويستخدم كوبونات المواد الغذائية لشراء الأطعمة التي يحتاجها. وكل مبلغ ضئيل يتم إنفاقه يساعد على تعزيز الطلب وإيجاد الوظائف.

ولا يعتبر اقتراض المال للإنفاق على تأمين البطالة عملا إنسانيا فحسب، إنما يساعد أيضا على تعافي الاقتصاد. ولهذا السبب يعتبر تأمين البطالة موازنا أوتوماتيكيا، وهذا يبرر الدعم الكبير لتوسيع تأمين البطالة من كلا الحزبين، في الوقت الذي نعاني من كساد عميق وممتد.

وإذا كان باننغ غير مدرك لمحن ملايين العاطلين عن العمل وعائلاتهم، دون ذنب اقترفوه، فهو ليس السناتور الوحيد في هذا الشأن. فحاكم أريزونا السناتور جون كيل يريد إيقاف مشروع قانون التوظيف، لإجبار مجلس الشيوخ على خفض الضرائب عن القصور التي يبلغ ثمنها ملايين عدة من الدولارات، التي يتم تسليمها لورثتها.

فسوط الأقلية يوشك أن يهدد المساعدة المقدمة للعمال العاطلين عن العمل وعائلاتهم، مقابل زيادة ميراث باريس هيلتون، الملياديرة المثيرة للجدل، ووريثة فنادق هيلتون.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae