ينعقد مؤتمر القمة العربية في أواخر هذا الشهر في الجماهيرية الليبية، وكما هو معلوم أصبح انعقاد هذا المؤتمر منذ مطلع القرن الحالي انعقاداً دورياً سنوياً، لا يخضع لموافقة أحد أو لموافقة أكثرية أو إجماع، ويمكن عقده بمن حضر، ويُحدد البلد العربي الذي سيعقد فيه حسب الأحرف الأبجدية.
ومهما كان الأمر يمكن اعتبار لقاء القادة العرب عملاً إيجابياً حتى لو كان لقاء (بروتوكولياً)، مع أن البعض يعتبر أن لقاءات القمة التي لا تتخذ فيها قرارات نوعية هي وسيلة لخداع المجتمعات العربية وإيهامها أن القادة سائرون بطريق التضامن وحل معضلات الأمة الكبرى، وعلى كل حال ففي (الحركة بركة) وفي لقاءات القمة إيجابيات في كل الأحوال.
لم تستطع مؤتمرات القمة العربية (منذ المؤتمر الأول في أنشاص عام 1946 إلى مؤتمر الدوحة عام 2009) وحتى الآن، تحقيق التضامن العربي أو توحيد الموقف العربي تجاه العدو الخارجي والعدو الصهيوني بشكل خاص، أو الاتفاق على إقرار التكامل الاقتصادي أو العسكري.
كما ينبغي (بقيت اتفاقية الدفاع العربي المشترك حبراً على ورق كما بقي التكامل والعمل العربي المشترك أو كاد أن يبقى في حدود تبادل العواطف والاستعراض الكلامي ومزاعم تقوية أواصر الأخوة ورص الصفوف لمواجهة التحديات والعدو الصهيوني المشترك)، مع أن مؤتمرات القمة العربية تصر في مقدمة بياناتها على (مصيرية المرحلة) وعلى (التحديات التي تواجهها الأمة) حتى كأن كل أوقات العرب مراحل مصيرية وتحديات مملوءة بالمخاطر ومؤذنة بتحولات عميقة لا يعرف أحد أغوارها وقرارها.
بقيت أهداف التعاون العربي السياسي فضلاً عن التنسيق والتكامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتقني وغيره إشكاليات تواجهها صعوبات وعقبات، والمفارقة أن الجميع حاكمين ومحكومين يطالبون بالتعاون والتنسيق بل وبأكثر منها لكن هذه لا تتحقق، وكأن تحقيقها يرتبط بقوى خفية قادرة على معاندة الجميع ومخالفة رغباتهم وكسر إرادتهم دون أن يتسنى لأحد معرفة هذه القوى على وجه اليقين أو حتى الإشارة إليها بدقة، فضلاً عن التغلب عليها وقهرها.
نادت حركة التحرر العربية بالوحدة العربية منذ نشأتها ووضعت هذا الهدف على رأس أولوياتها، وتجاهلت مطالب ضرورية لتأسيس دولة (قطرية) قادرة ومجتمع متماسك وتنمية شاملة وتحقيق مصالح الناس ورفع مستوى حياتهم المعيشية في سبيل هدف الوحدة الذي كرست له كل اهتمامها، ولهذا فشلت في تحديث الدولة والمجتمع وضحت بالحرية والمساواة والديمقراطية وتداول السلطة وغيرها من معايير الحداثة تحت شعار أولوية تحقيق الوحدة القومية وتكريس كل الجهود لها.
وبعد نصف قرن من النضال من أجل هذا الشعار اكتشف العرب أنهم لم يحققوا الوحدة بل يعيشون في دول متناقضة، وإنهم إخوة أعداء لهم مصالح متباينة وأهداف مختلفة واهتمامات متناقضة، وتبني دولهم علاقاتها مع الآخر غير العربي كما يحلو لها.
وتقيم أسس تعاون وثيق مع دول غير عربية أقوى بما لا يقاس منه مع الشقيقات العربيات، أما العلاقات التجارية (وغير التجارية) البينية بين البلدان العربية فهي مدعاة للأسف والحزن عليها وعلى الحال الذي وصل إليه التنسيق العربي والتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والثقافي والفني.
إن العربي الذي أمضى عمره مهموم بالوحدة العربية ويعمل لأجلها، يشعر بالخيبة وفقدان الأمل بعد ستين عاماً من التضحيات في سبيل الوحدة ويتمنى لو أن العرب حققوا شيئاً خلال نصف القرن الماضي، بدلاً من التشدق بشعار التضامن والوحدة، كإقامة أسس لجمارك موحدة بين بلدانهم ومنطقة جمركية واحدة، وإلغاء سمات الدخول لمواطني البلدان العربية الأخرى، ومد خطوط حديدية تربط البلاد العربية من الغرب إلى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب.
وتكثيف هذه الخطوط بما يؤهلها لنقل المسافرين بسرعة ونقل البضائع بكلفة منخفضة، وإنجاز التنسيق الاقتصادي والتكامل الزراعي والصناعي بين هذه الدول، وتطبيق سياسة ثقافية متوازنة ومعمقة وشاملة، لو نفذت الأنظمة العربية هذه الإجراءات، لأوجدت شروطاً موضوعية تساعد على تطوير مجتمعاتها وتعاونها أكثر بكثير مما تحقق حتى الآن، ولسارت هذه البلدان خطوات جدية أكثر نحو الوحدة، لأن هذه الإجراءات تؤسس بالضرورة للوحدة العربية.
كاتب سوري