عاجلاً أم آجلاً، كانت الإدارة الأميركية «ستصطدم» بهذا القدر أو ذاك من موقع الاختلاف مع السياسة المتطرفة التي بنى عليها رئيس الحكومة الإسرائيلي ائتلافه الحكومي، ولكن يخطئ من يعتقد بأن مثل هذا الخلاف، يمكن أن يؤدي إلى تحول في طبيعة العلاقات الإستراتيجية بين أميركا وإسرائيل على النحو الذي ينتظره أو يتمناه بعض الواهمين.

مازلنا نتذكر التوتر الذي وقع في عهد الرئيس الأميركي الأب جورج بوش، حين رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق شامير، أن يستجيب للمبادرة الأميركية بعقد مؤتمر لسلام الشرق الأوسط في مدريد عام 1991.

وزير الخارجية الأميركي آنذاك جيمس بيكر وظف قرضاً بعشرة مليارات من الدولارات كانت ستحصل عليها إسرائيل، من أجل الضغط لتأمين حضور شامير، وبالفعل رفضت إسرائيل، لكن كلمة شامير في المؤتمر لا تزال تتردد في مختلف الأنحاء.

قال شامير في افتتاح مؤتمر مدريد، إنه اضطر للحضور، ولكن على الجميع أن ينتظروا مفاوضات، قد تمتد لعشرين عاماً، وهذا ما حصل بالفعل، وبدون أن تتأثر سلبياً العلاقات الثنائية بين البلدين.

ومن غير المحتمل أن يخرج التوتر القائم بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، عن السياق التاريخي الذي حكم العلاقات بين البلدين، نحو مجرد صراع خفيف يمكن تسويته ومعالجته، بوسائل اعتيادية، ذلك أن ما وقع لا يرتقي إلى مستوى الأزمة بالرغم من أنه في جوهره وأسبابه، يبرر وجود أزمة كبيرة.

إسرائيل هي التي تتحمل المسؤولية، وليس غيرها، عن تعطيل الجهد الأميركي من أجل استئناف المفاوضات، التي بدأت مع بداية عهد الرئيس باراك أوباما، لكن السلوك الإسرائيلي أدى إلى تحويل هذا الجهد إلى خيبات أمل.

فشلت الإدارة الأميركية في إيجاد تسوية لموضوع النشاطات الإسرائيلية الاستيطانية وكان تراجعها عن شرط تجميد الاستيطان، إشارة قوية لنتانياهو كي يتابع سياساته المتطرفة، ذلك أنه يدرك كما تدرك الولايات المتحدة، أن الفلسطينيين والعرب لن يصمدوا على موقفهم الذي يربط بين وقف الاستيطان واستئناف المفاوضات.

وبالفعل استجاب الفلسطينيون والعرب، لاقتراح المبعوث الأميركي لعملية السلام، الذي ابتدع حلاً لتجاوز الاستعصاء التفاوضي، بالذهاب إلى مفاوضات غير مباشرة حددت لجنة المتابعة العربية سقفها الزمني بأربعة أشهر.

على أن ميتشل كان يدرك أيضاً أن قبول الفلسطينيين والعرب باقتراحه، لا يعني المراهنة على إمكانية الهبوط بالموقف إلى ما هو أدنى من ذلك، وإلا فإن المسألة ستتحول إلى رضوخ كامل، ليس من المتوقع أن يقبل به الفلسطينيون ولا العرب رغم كل ما يعتريهم من ضعف وتمزق.

هكذا وبقرار أخرق صدر عن وزير الداخلية الإسرائيلي، واتضح لاحقاً أنه قرار حكومي، أطاح الإسرائيليون بالفرصة التي جاء من أجلها ميتشل مدعوماً بزيارة متزامنة لنائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، فلقد كان من الصعب عليهما أن يقبلا إعلاناً رسمياً بإجازة بناء ألف وستمائة وحدة استيطانية في القدس، وكان الأصعب أن يتمكن أحد من إقناع الفلسطينيين بتمرير هذا القرار والذهاب إلى مفاوضات غير مباشرة.

كان القرار الإسرائيلي فوق ذلك، إهانة شديدة لنائب الرئيس، الذي لم يوفر جهداً أو وقتاً إلا وأكد خلاله على حرص بلاده الثابت والتزامها بأمن إسرائيل ومصالحها.

القرار الاستيطاني الإسرائيلي، وضع الإدارة الأميركية في مأزق حرج، فهي إما أن تعلن فشلها في محاولة إحياء عملية السلام، أو تضاعف الضغط على الفلسطينيين والعرب من أجل تنازلات جديدة، أو أن عليها أن تشعل الضوء الأحمر في طريق السياسة الإسرائيلية.

و إذا كان الخياران الأول والثاني، غير محتملين بسبب تداعياتهما، وتكلفتهما الباهظة سياسياً وأخلاقياً ومعنوياً، فإنه لم يكن أمام وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون سوى أن ترفع سماعة الهاتف، لتعبر عن حنقها وغضبها وأن تعلن على مسامع نتانياهو رفضها قبول الاعتذار الذي صدر عنه وأحال الأمر كله إلى خطأ في التوقيت.

المسألة ليست وقتا رغم أهمية ذلك، وإنما تتصل بجوهر القرار، الذي أراد أن يؤكد بحضور المسؤولين الأميركيين رفيعي المستوى، أن إسرائيل لن تجمد الاستيطان ولن تتوقف عن نشاطاتها لتهويد القدس سواء في حال وجود مفاوضات، أو في أي حال آخر، وبأن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل بحسب السياسة الرسمية، ليست ولن تكون واحدة من موضوعات التفاوض لا اليوم ولا في أي وقت آخر.

ربما كانت الإدارة الأميركية ستختار الصمت كما هو حالها كل الوقت إزاء ما تقوم به إسرائيل من نشاطات استيطانية وتهويدية في القدس، ولكنه كان من الصعب عليها أن تصمت حين تؤدي هذه النشاطات إلى وقف الجهد الأميركي، والنيل من دور ومكانة الولايات المتحدة، وهيبتها، إزاء ما يتعلق بالصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي.

لعل من أبرز أسباب الخلاف ما يتصل برؤية الدولتين الأميركية والإسرائيلية لموضوع الدولة الفلسطينية، ففي حين كررت الإدارة الأميركية تأكيدها أن قيام دولة فلسطينية يشكل مصلحة قومية أميركية، فإن إسرائيل تعمل حثيثاً من أجل منع قيام مثل هذه الدولة.

أصيبت الإدارة الأميركية بصداع، فشعر العالم كله برجفة، إذ توالت تصريحات الشجب والإدانة من معظم الدوائر الدولية، والدول ذات الاهتمام، وذهبت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي ومثلها الأمين العام للأمم المتحدة، لاعتبار أن النشاطات الاستيطانية تفتقد الشرعية، وهذا هو الموقف الذي لم يرتق نظيره الأميركي إلى مستواه، فقد ظلت البيانات الأميركية تتحدث عن عمل سلبي، وخطوات غير بناءة، وسلوك يضر بجهود السلام....

هي ذريعة إذاً، فقد طلبت وزارة الخارجية الأميركية من إسرائيل رداً مكتوباً، يتضمن موافقة حكومة نتانياهو على إلغاء القرار الاستيطاني، وعلى أن تبادر إسرائيل إلى اتخاذ خطوات إجرائية ملموسة لتحسين الأوضاع في الضفة الغربية، ولدعم السلطة الفلسطينية، فضلاً عن الموافقة على أن تتناول المفاوضات القضايا الجوهرية.

في الواقع لم تبد حكومة نتانياهو قلقاً شديداً إزاء الخطوات الاحتجاجية الأميركية، فهذه بالتأكيد لا تندرج في مفهوم العقوبات ومن غير المتوقع أن تتخذ الإدارة الأميركية أي عقوبات ضد إسرائيل، وكل ما تتوقعه الحكومة الإسرائيلية، المزيد من البيانات والتصريحات بما في ذلك عن الرباعية الدولية التي اجتمعت لهذا الغرض.

وقد نلاحظ أن الأزمة تنتهي بمجرد أن توافق إسرائيل بهذا الشكل أو ذاك على الطلبات الأميركية في حال وقع ذلك، والمرجح أن الإدارة الأميركية ستعود وتركز ضغوطها على الطرف الفلسطيني الذي عليه أن يضبط حالة الاشتباك الشعبي الناشبة في القدس وبعض المدن الفلسطينية والقبول بالعودة إلى دائرة المفاوضات غير المباشرة.

والحال أن الفلسطينيين والعرب أضعف من أن يستثمروا هذا الاختلاف بين الحليفين إسرائيل والولايات المتحدة، وتحويله إلى أزمة، أو تشهير هذا الاختلاف لصالح الموقف الصحيح الذي يرفض أية مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة طالما استمرت إسرائيل في سياساتها الاستيطانية والعدوانية.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com