وجهت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون دعوة إلى روسيا لتنضم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تطوير دفاع مضاد للصواريخ سيحمي مواطني أوروبا ومواطني روسيا على نحو سواء، وذلك خلال لقائها وزراء دول الناتو يوم 22 فبراير حيث أشارت إلى «أن الولايات المتحدة والناتو وروسيا شركاء وليسوا خصوم».
وعندما سُئلت كلينتون عما إذا أمكن لها أن تتخيل أن تصبح روسيا عضوا في الناتو أجابت كلينتون: «إني أستطيع أن أتخيل هذا لكني لست واثقة من أن روسيا تستطيع تخيل ذلك».
من الواضح أن واشنطن تشعر بقلق شديد إزاء قضية الأمن في أوروبا، ومن الواضح أيضا أن الأميركيين في ظل انشغالهم في مشاكلهم وأزماتهم وحروبهم المستمرة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى الآن، لم يجدوا الوقت الكافي لاستيعاب المتغيرات الكثيرة التي حدثت في العالم، وخاصة على الساحة الأوروبية.
ولم يستوعبوا عودة روسيا للساحة الدولية بقوة وثبات وتطور علاقاتها بشكل كبير مع دول أوروبا الكبرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وغيرها، وبالتالي لم يجدوا الوقت لإعداد استراتيجيات جديدة تتلاءم مع هذه المتغيرات.
ولم تكن واشنطن تتوقع في زحمة انشغالها بحروبها في أفغانستان والعراق وبأزمتها المالية الخانقة أن روسيا اقتربت كثيرا من أوروبا بالدرجة التي أصبح من حقها أن تتحدث عن أمن مشترك أوروبي يضم روسيا، ومن البديهي أن أي أمن مشترك بين روسيا وأوروبا لن يكون لحلف شمال الأطلسي الذي يدار من واشنطن أي دور حيوي فيه.
وهذا ليس رأي روسيا وحدها، بل هو رأي العديد من دول أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا الذين عبروا عن ذلك صراحة، وبالتالي فإن على الولايات المتحدة أن تترك الأوروبيين مع جارتهم روسيا يقررون مصير أمنهم بعيدا عنها.
عندما تقول الوزيرة كلينتون إنها تتمنى أن تشارك روسيا الولايات المتحدة في نظام دفاعي صاروخي يحمي أوروبا، فإن حديثها هذا لا يتعدى إطار الأماني الغير قابلة للتحقيق على أرض الواقع.
وذلك لأن روسيا التي هي جزء لا يتجزأ من أوروبا، ليست بحاجة للتعاون مع طرف ثالث عبر المحيط لحماية أرض واحدة تجمعها مع باقي دول أوروبا، لكنه على ما يبدو أن الوزيرة كلينتون مازالت مثل غيرها الكثيرين،تفكر بمنطق الهيمنة والوصاية الأميركية على أوروبا، ولا تستوعب المتغيرات الجذرية التي وقعت على الساحة الدولية خلال العقد الأخير.
أما تخيل السيدة كلينتون لإمكانية دخول روسيا في عضوية حلف الناتو فهو في الواقع كمن يتخيل «دخول الفيل في حظيرة الحملان»، إذ كيف يمكن لدولة كبيرة بحجم روسيا أن تدخل في حلف متهالك يعاني من تهديدات بالانقسام ويرفض أعضاؤه التعاون فيما بينهم في أفغانستان، ألا تعلم كلينتون أن قوة روسيا العسكرية والنووية تعادل أكثر من نصف قوة حلف الناتو، فكيف تقبل روسيا بهذه القوة أن تخضع لقيادة وتوجيهات البنتاجون الأميركي الذي يدير حلف الناتو.
لقد دعا الرئيس الروسي ميدفيديف الدول الأوروبية إلى عقد معاهدة أمنية تلزم أطرافها بالتعاون لحفظ أمن أوروبا. وأرسلت روسيا مسودة المعاهدة المقترحة إلى الناتو والاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2009.
وقالت وزارة الخارجية الروسية حينذاك إن هذه المبادرة تهدف إلى «إنشاء مجال أمني واحد في منطقة أوروبا والمحيط الأطلسي». ثم أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن التعاون مع الناتو في المحافظة على أمن أوروبا يمكن أن يحقق النجاح عندما يكون الحلف مستعداً لتغيير سياسته.
ولكن روسيا لا ترى أن الناتو ينوي تغيير سياسته، بل تراه مازال يناصبها العداء ويسعى بتوجيه من واشنطن لمحاصرتها ونصب شبكات الصواريخ المختلفة على حدودها، فهل ترى السيدة كلينتون في ظل مناخ كهذا أن روسيا ممكن أن توافق على التعاون مع واشنطن في أمن أوروبا.
الوزيرة الأميركية وهي تتحدث عن الأمن الأوروبي تتحدث فقط عن رغبات واشنطن وموسكو، وتتناسى أو تتجاهل رغبات ومواقف دول أوروبا صاحبة المصلحة في هذا الأمن.
ترى متى تتخلى واشنطن عن لغة الهيمنة التي لم تعد تطابق الأوضاع المتردية التي تعيشها الولايات المتحدة؟
خبيرة الإعلام الروسية