في الوطن العربي، ننشغل كثيراً بتصنيف بعضنا البعض لكي يعرف أحدنا كيف يتحدث مع الآخر ويتعامل معه. فإذا كان أحدنا في حضرة رجل متدين، تجده يحرص على انتقاء أجمل الألفاظ وأعذبها حتى لا يجرح شعوره، وإذا ما قال كلمة خطأ من قاموسه اليومي، فإنه يلتفت إلى المتدين ويعتذر منه.

أما إذا كان في حضرة شخص علماني، فإنه يحاول قدر المستطاع ألا يستشهد بالدين أو يسرد قصصاً من التاريخ الإسلامي. قبل أن تدلف إلى مجلس في أحد أصقاع الوطن العربي، عليك أن تسأل جيداً عن رواد ذلك المجلس، وإن حدث ودخلت مجلساً يخالفك رواده في الرأي، أو لنقل في الأيديولوجيا، فإنك ستعلم بعد دخولك إليه بخمس دقائق بأنك قد وقعت في ورطة كبيرة.

إلى جانب أزمة التصنيفات العربية، تنتشر أزمة المسميات المسلّم بها مسبقاً، خذ على سبيل المثال مصطلح «طالب علم» الذي يطلق فقط على طلبة العلم الشرعي في المدارس والجامعات الإسلامية، وكأن الذين يدرسون الطب أو الهندسة أو الإدارة أو غير ذلك من علوم ليسوا طلبة علم.

وهو مفهوم مشتق من ثقافة التصنيف التي ذكرناها آنفاً. كل هذا يهون إذا ما قورن بمصطلح «مثقف»، ذلك المفهوم الفضفاض الذي يحب العرب أن يلّقبوا به، إلى جانب لفظ «الدكتور» طبعاً.

وفي الحقيقة فإن العرب نادراً ما يطلقون لقب مثقف على من كتب رواية أو ألّف مسرحية أو أخرج فيلماً، بل إن المثقف الحقيقي في القاموس العربي الحديث هو الشخص الذي يقرأ ويفهم في السياسة كثيراً، وإذا ما جلس في مجلس ما أو كتب مقالة في جريدة ما فإنه ينضح بالسياسة من رأسه وحتى أخمص قدميه. يحب العرب حديث السياسة، ويهوون المجالس التي تدور فيها أحاديث سياسية حتى وإن لم يفهموا منها شيئاً.

حاوِل أن تتحدث في مجلس ما عن الفن، أو عن الرواية العربية، وانظر إلى الجالسين من حولك، ستجد بعضهم قد تناول هاتفه وبدأ يعبث به، وستجد الآخرين قد تسمّرت أعينهم أمام التلفاز وغابوا عنك في غياهب كرة القدم.

اقطع حديثك عن الأدب وتحدث عن انتخابات الكويت، أو دور تركيا في الشرق الأوسط، أو البرنامج النووي الإيراني، وسيعود لك جمهورك وكلّه آذان صاغية، بل ستتفاجأ بأن الحديث قد يطول حتى منتصف الليل.

جرب أن تحضر محاضرة حول أي موضوع غير السياسة أو الدين، وستجد أن الحضور لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، أما إذا كانت المحاضرة لأستاذ في العلوم السياسية، فإن القاعة ستغص بالحضور من نخب ومثقفين وطلبة وغيرهم. وفي حال كانت المحاضرة لأحد الدعاة الأفاضل، فإن الأعداد سوف تتضاعف ولا شك.

لماذا كل هذا الشغف بالفكر السياسي الذي تعد الشعوب العربية أقل شعوب العالم مساهمة فيه؟ فدولنا العربية لا تحظى بثقل سياسي في أي منظمة عالمية غير منظمات النفط، وجامعاتنا العريقة التي تدرّس السياسة، تجد معظم مناهجها من مؤلفات أجنبية، أما المؤلفات السياسية العربية فإنها لا تعدو كونها «فَشّ خِلئ» .

كما يقولون، وكلّما أردنا أن نتباهى بإسهاماتنا في الفكر السياسي فإننا نتحدث عن «الأحكام السلطانية» للماوردي الذي كتب قبل ألف عام تقريباً، أو مقدمة ابن خلدون التي تعد كتاباً اجتماعياً أكثر منه سياسياً.

أضف إلى ذلك أن تجربة الشعوب العربية في مجال السياسة هي تجربة مريرة، فهم منذ مئات السنين، حين استولت الإمبراطورية العثمانية على زمام الأمور، وحكمتهم بالسوط والنار، ألغت الدور العربي في القرار السياسي في جميع الدول التي سيطرت عليها، فكانت السياسة تصنع في الباب العالي باسطنبول، ثم تنزل على الأبواب السفلى المبعثرة في بقاع الأرض.

إن أنجح قنواتنا الفضائية العربية هي تلك التي تشتغل بالسياسة ليل نهار، وأشهر المحاورين العرب هم الذين يديرون برامج سياسية ويستضيفون كبار السياسيين. وأشهر الكتاب في الصحف العربية هم أساتذة السياسة، بل إن أشهر الصحف والمجلات العربية هي الصحف السياسية. أين القضايا الاجتماعية، والتكنولوجية، والصحية، والأدبية، والفنية، والاقتصادية.

وغير ذلك من شؤون الحياة التي تنشغل بها الشعوب الحية، أين كل تلك القضايا من مجتمعاتنا العربية؟ ولماذا أصبحت من نافلة القول فقط، بينما سيطرت القضايا السياسية المقيتة على جميع شؤون العربي البسيط؟

ما شأن الفلاح الريفي في مصر بتعاظم قوة طالبان في أفغانستان، وما شأن المهندس الإماراتي بأزمة التيارات السياسية في العراق، ولماذا ينشغل منتج الأفلام التونسي بتداعيات فرض عقوبات دولية على إيران؟ لماذا يهتم المثقف العربي في شرق الخليج بصراع الهوية بين اللغة الأمازيغية واللغة العربية في المغرب العربي؟

لماذا نقحم القضايا المحلية أو حتى الإقليمية في حياة جميع العرب؟ نفهم التأثير السلبي للصراع في اليمن، والتخبط السياسي في لبنان، على السياسات العامة للدول العربية، ولكن هل على كل العرب أن يغوصوا في تفاصيل تلك الأحداث ليبقوا على اتصال بالعالم؟

أُفَضّل أن يحفظ أبنائي أسماء المدراء التنفيذيين للشركات العملاقة مثل «ستيف جوبز» رئيس آبل وغيره، على أن يحفظوا أسماء السياسيين العرب، فعندما يقرأون قصة نجاح لقائد مثل «كارلوس غصن» فإنهم سيجدون الأمل، وستلهمهم حياته لتحقيق نجاحات مماثلة في حياتهم.

عندما يسافر العربي «المثقف» لحضور مشاركات فكرية في دولة غير عربية، فإنه يشعر بضآلة ثقافته المنحصرة بين الحرب الطائفية في العراق، وبين الانتخابات في لبنان. فعندما يحتك العربي بمثقفين من دول أخرى يجدهم يتحدثون في قضايا التنمية الإنسانية، والتكنولوجيا، وقضايا الاستثمار، والفن والأدب، أما السياسة فإنهم يعرّجون عليها فقط ليجاملوا العرب، الذين يتقوقعون على أنفسهم في قضاياهم السياسية، التي لن يحلّوها إلا عندما يتحدثون في غيرها.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com