بعد أن شغلت الحملات الترويجية للمتنافسين على مقاعد المجلس النيابي، وسائل الإعلام وانتهت بالصمت الإعلامي، خضب العراقيون سباباتهم اليمنى بالحبر البنفسجي في السابع من مارس الجاري، وبدأت بعد ذلك صناديق الاقتراع تكشف عن ملامح القوى وحجم الدور الذي ستلعبه في الساحة السياسية العراقية، على مدى السنوات الأربع المقبلة.
وانتقل المتنافسون من طور الظهور الإعلامي المكثف، إلى طور الكمون وراء الكواليس، في سعي محموم لجس النبض تمهيداً لعقد التحالفات.
لا شك أن الانتخابات الأخيرة ستفرز سلطة تشريعية، أفضل من تلك التي انتهت ولايتها مساء السابع عشر من مارس الجاري. فقد أسقط الناخب العراقي ثلاثة رؤساء للمجلس النيابي، وأسقط عدداً كبيراً من الوزراء والنواب ومنعهم من الجلوس ثانية تحت قبة المجلس.
حيث عجز بعضهم، وبشكل مخجل، عن الحصول على بضع مئات من الأصوات. تلك هي ميزة العملية الديمقراطية، فالمواطنون العراقيون مارسوا سلطة الرقابة على نوابهم، في الوقت الذي قصّر أولئك النواب، بشكل كبير، في أداء دورهم الرقابي على السلطة التنفيذية.
كشفت النتائج المعلنة لمعظم أصوات الناخبين، داخل العراق وخارجه، عن فوز أربع كتل سياسية كبيرة، يتنافس على المركز الأول فيها كل من ائتلاف دولة القانون وائتلاف العراقية، ويأتي الائتلاف الوطني العراقي ثالثاً، في حين حصل التحالف الكردستاني على المركز الرابع. واختفت من الخريطة السياسية الجديدة كتل صغيرة كان لها موقع في مجلس النواب السابق.
أبرز ما كشفت عنه هذه الانتخابات، هو نضج الوعي لدى الناخب العراقي وإصراره على إلحاق الهزيمة بالمشروع الطائفي الذي تراجع دوره بوضوح، مع صعود التيارات المدنية والعلمانية.
كما كشفت الانتخابات عن مدى تراجع جبهة التوافق، بعد أن انسحب منها الكثيرون لينضموا إلى ائتلاف العراقية، ومدى تراجع التحالف الكردستاني، بعد أن سحبت كتلة التغيير بزعامة نوشروان مصطفى الكثير من جمهوره.
كما أعادت هذه الانتخابات الأمل بقرب نهوض العراق، فإن لم يتمكن التيار المدني العلماني من استلام عجلة قيادة المرحلة المقبلة، فسيكون له صوت قوي لا يمكن تجاهل تأثيره تحت قبة المجلس النيابي.
فما الذي سيحدث؟ وكيف ستتشكل الحكومة الجديدة؟
بادئ ذي بدء، لن يتمكن ائتلاف واحد من ذلك، كما لن يتمكن ائتلافان أيضاً، فالتحالفات ومدى نجاحها هي التي ستحسم ذلك. والحقيقة أن التفاوض بشأن ذلك عملية شاقة، وسوف تستغرق وقتاً طويلاً، ولن تكون بمعزل عن تأثيرات خارجية قوية، وقد تتخللها بعض أعمال عنف دموية.
كما توضح الخريطة السياسية الجديدة أن صوت المعارضة في المجلس النيابي سيكون عالياً، على خلاف ما ألفناه في السنوات الأربع الماضية، إذ إن كتلة سياسية كبيرة ستكون خارج الحكومة، وهي إحدى الظواهر الصحية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة.
في سياق التنبؤ بمسار التحالفات المقبلة، من المستبعد أن يلتقي ائتلاف دولة القانون مع ائتلاف العراقية، بسبب التباين في التوجهات، وكل منهما يفضل التحالف مع آخرين. في ضوء ذلك، من المتوقع ألا يزيد عدد التحالفات التي ستمهد لولادة الحكومة العراقية عن تحالفين، أولهما: دولة القانون، الائتلاف الوطني العراقي، التحالف الكردستاني.
وثانيهما: ائتلاف العراقية، الائتلاف الوطني العراقي، التحالف الكردستاني. ولكي يتمكن أي منهما من تشكيل الحكومة، ينبغي أن يضمن موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب (217 نائباً) على مرشحه لرئيس الجمهورية، والحصول على الأغلبية المطلقة (163 نائباً) لتشكيل الحكومة. ستكون عملية تشكيل الحكومة المقبلة شاقة، بسبب التعقيد الشديد في الخريطة السياسية من جهة، وبسبب التدخلات الإقليمية لتغيير بعض مساراتها، من جهة أخرى.
وهناك ما ينبغي الإشارة إليه في سياق هذا الموضوع، وهو أن الائتلافات المتنافسة قد تشكلت لأهداف انتخابية قد لا تدوم طويلاً، وقد يتصدع بعضها في وقت قريب، إذا تعرضت بعض كياناتها لضغوط كبيرة أو تعرضت لإغراءات لا تستطيع التفريط في فرصة الحصول عليها.
ولدينا تجربة في ذلك خلال السنوات المنصرمة، كما حصل من تصدع في كتلة الائتلاف العراقي الموحد، حين انشق عنها حزب الفضيلة ثم تبعه التيار الصدري، ثم تيار الإصلاح الوطني. الائتلافات المرشحة للتصدع هي ائتلاف العراقية، والائتلاف الوطني العراقي.
وذلك لأنهما مكونان من عشرات الهياكل، في حين أن ائتلاف دولة القانون أقل عرضة للتصدع، لأنه مكون بشكل رئيس من حزب واحد، هو حزب الدعوة، الذي انضم إليه عدد من الشخصيات السياسية من داخل مجلس النواب وخارجه.
وعلى الرغم من أن الائتلافات الكبيرة الفائزة تعلن أنه ليست لديها خطوط حمر مع أية جهة في العملية السياسية، إلا أن هناك ما يضيق من دائرة التكهنات.
فالتحالف الكردستاني له تجربة غير مريحة مع حزب الدعوة الحاكم على مدى السنوات الأربع المنصرمة، وهو من هذا المنطلق قد يكون أكثر ميلاً للتحالف مع ائتلاف العراقية أو الائتلاف الوطني العراقي، على الرغم من أن تصريحاً رسمياً لم يصدر عنه بذلك.
هذا إضافة إلى أن هذا التحالف يميل إلى وضع ثقله السياسي، إلى جانب من يكون أكثر مرونة في التعامل مع القضايا الشائكة الكثيرة بين حكومة المركز وحكومة الإقليم، وأبرزها إصرار التحالف على تبعية كركوك لإقليم كردستان، والخلاف حول ما يسمى المناطق المتنازع عليها، وحول دور حكومة الإقليم في التصرف بموارده الطبيعية، وحصة الإقليم من الميزانية، والوضع القانوني للبشمركة.
التحالف الكردستاني على صلة وثيقة بالمجلس الأعلى الإسلامي منذ زمن بعيد، لأنه الكيان السياسي الأكثر تعاطفاً مع طموحات التحالف الكردستاني، إلا أن دور هذا المجلس قد أصابه الضعف وتراجع كثيراً في السنوات الأخيرة.
وتشير نتائج الانتخابات الأخيرة إلى أن ثقله داخل الائتلاف الوطني العراقي قد أصبح أكثر ضعفاً، بسبب تفوق التيار الصدري ورجوح كفته، على الرغم من عدم وجود قيادات بارزة في هذا التيار. والمعروف أن الصدريين ليسوا بنفس القدر من التعاطف مع طموحات التحالف الكردستاني، كما هو حال المجلس الأعلى الإسلامي.
من جانب آخر ينظر التحالف الكردستاني بعين عدم الرضا إلى بعض الكيانات السياسية المهمة في ائتلاف العراقية، مثل تكتل «عراقيون» بقيادة أسامة النجيفي، والجبهة العراقية للحوار الوطني بقيادة صالح المطلق. إلا أن الساحة السياسية قد تتعرض لضغوط إقليمية كبيرة للتغاضي عن بعض التحفظات، عبر صفقات مع هذا الطرف أو ذاك.
كاتب عراقي
