في لحظة عصف فكري، قال وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير، إنه «يمكن التفكير في الاعتراف الفوري بدولة فلسطينية، حتى قبل استقرار المفاوضات على حدودها..».
هذا التصور لم ينل ما يستحقه من اهتمام وتمحيص، على الرغم من انطوائه على مضامين نظرية فلسفية وإجرائية سياسية معتبرة، كما لم تتطرق أي جهة إلى تحري سوابقه التطبيقية ومدى ملاءمته وصلاحيته للحالة الفلسطينية.
للوهلة الأولى، تمثل فكرة كوشنير خطوة إيجابية، فهي إشارة قوية لمن يعنيهم الأمر بأن الاعتراف بفلسطين الدولة بات من المسلمات لدى قوة أوروبية مركزية.
وبالنسبة إلى الطرف الاسرائيلي بالتحديد، تقول الفكرة (الرسالة) بأن المماحكات والذرائع التي ما انفكت حكومات تل أبيب تبتدعها تباعاً، لن «تفرمل» توجهاً أصبح ضمن ثوابت السياسة الفرنسية ـ وبالتداعي الأوروبية ـ قوامه الإقرار بأحقية الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة.
نظرياً وفقهياً، يعد الاعتراف بالدول الأخرى من المسائل التي تخص سيادة الدول المعترفة، وتكييفها لأحقية الطرف المعترف به. ومؤدى هذا بين يدي تصور كوشنير، أن باريس تقر للفلسطينيين باستحقاق مقام الدولة، بغض النظر عن التفصيلات التي تحول دون الوصول إلى هذا الهدف في المرحلة الراهنة.
ولنا أن نفترض أن العائق أو الحاجب الذي يمكن أن يؤدي إلى النكوص عن هذا الإقرار، هو أن يسعى الفلسطينيون إلى دولة بديلة كلياً عن إسرائيل.. بمعنى أن فرنسا تسير حرفياً على سكة مقترح الدولتين المتجاورتين: إسرائيل وفلسطين.
ومن المؤكد أن عكس هذا التحليل صحيح، وهو أن باريس ومن يدور في فلكها أوروبياً، لم يعودوا إطلاقاً في وارد القناعة بأن إسرائيل هي بديل عن فلسطين، أو أن الأخيرة لا وجود لها بحسب الزعم الصهيوني القديم بأن إسرائيل قامت على أرض بلا شعب.
المثير هنا أن فرنسا وسائر خلق الله من الدول والفواعل الدوليين المعترفين بإسرائيل منذ 1948 وإلى ساعتنا الراهنة، قاموا بخطوتهم الاعترافية هذه وفقاً للفكرة ذاتها التي يطرحها كوشنير للحالة الفلسطينية.. أي الاعتراف بدولة لم تعين حدودها النهائية بالمفهومين الجغرافي والسكاني!
رب مجادل هنا بأن الاعترافات بإسرائيل قد استندت إلى مرجعية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، الذي قضى بإنشاء هذه الدولة ورسم معالمها وحدودها في متنه بالتفصيل. ولهؤلاء ندفع بأن ما نص عليه هذا القرار شيء، والقوام الجغرافي السكاني لإسرائيل التي تم الاعتراف بها شيء آخر.
ونحسب أن سجالاً كهذا يسمح بإثارة السؤال حول ما إذا كان من الجائز فحص مدى السلامة القانونية لهذه الاعترافات، في ضوء تعدي إسرائيل على أرض لا تخصها طبقاً للقرار 181 من ناحية، وعدم الإعلان عن حدودها (الجغرافية بالذات) من ناحية أخرى؟!
في كل حال، لا يحق لإسرائيل ولا يصح لها أن تحتج على باريس وغيرها من العواصم، إذا ما اعترفوا بدولة فلسطين قبل الانتهاء من مسلسل التفاوض الإسرائيلي الفلسطينى الممل.
بل ولنا أن نذهب إلى ضرورة مطالبة كل القوى الطامحة إلى التسوية السلمية للصراع الصهيوني/ العربي وقضية فلسطين، بمثل هذه المبادرة الاستباقية، مع اقترانها بتعيين حدود الدولة الفلسطينية موضوع الاعتراف بخطوط الرابع من يونيو 1967 كحد أدنى. إن إجراء كهذا سينقل هذه القوى من مربع المتفرجين السلبيين، إلى دائرة الفاعلين الإيجابيين في عملية التفاوض والتسوية.
إن من اعترف بإسرائيل من دون التوقف عند شرط تحديد معالمها الجغرافية والسكانية، ومن أصر على هذا الاعتراف بعد أن مارست كل صنوف العدوان واحتلت أراضي الآخرين ونكلت بهم واستخفت بالشرائع السماوية والوضعية، مطالب من باب أولى بالاعتراف بفلسطين كدولة رازحة تحت الاحتلال ساعية للتحرر والاستقلال.
وعلى وجه اليقين، سيكون من شأن الاعتراف بهذه الدولة المشفوع بتعيين حدودها غير المتجاوزة لما أقرته الشرعية الدولية، لجم المطامع الإسرائيلية في جعل التفاوض على أرضية موازين القوى المختلة، هو المعبر الوحيد لخروج فلسطين الدولة إلى النور وحيز النفاذ.
ثم إن مثل هذا الاعتراف سيشكل علامة أو مظهراً لاستقلالية القرار الفرنسي (والأوروبي إذا ما اتخذت الخطوة اتحادياً) عن الموقفين الأميركي والإسرائيلي، الهادفين إلى قيام الدولة الفلسطينية وتحديد كينونتها ومكوناتها، وفقاً لإملاءات على الطرف الفلسطيني.
فى كل حال، فإن التصور الفرنسي يوسع آفاق البدائل التي يمكن للمفاوض الفلسطيني أن يضمها إلى إضبارته، إذا ما صمم على العودة بملف التسوية إلى الأمم المتحدة، ولاسيما مجلس الأمن.
كاتب وأكاديمي فلسطيني