ينظر الكثير من البشر للزلازل والأعاصير والكوارث الطبيعية التي تحدث في أماكن متفرقة من العالم، على أنها عبث وفوضى في الطبيعة، والبعض يأخذها على أنها عقاب من السماء.

وكلا الرأيين على خطأ كبير، إذ لا يمكن أن يكون هناك عبث أو فوضى في الطبيعة، وإلا كانت قد وقعت نهاية العالم منذ عقود طويلة، وجميع هذه الكوارث والتغيرات المناخية، لم تعق استمرار الحياة وبقاء قوانين التطور البشري والطبيعي كما هي دون تغيير.

أما الاعتقاد بأنها عقاب من السماء فهو خطأ أكبر، لأن العدالة الإلهية تتعامل مع البشر كل فرد على حدة، ولا تعاقب أحدا بخطأ الآخر، وبالتالي فإذا وقع ضحايا للكوارث الطبيعية من الأبرياء، فهو بلاء وليس عقاباً.

لا شك أن هناك روابط قوية تربط الإنسان بالطبيعة، وما يحدث في الطبيعة يتأثر به الإنسان في كل شيء في حياته، بما في ذلك تكوينه الجسماني وتفكيره وثقافته وقدراته الشخصية، بما فيها درجات الذكاء والقدرة على الإبداع، والتي تتفاوت، ليس فقط بين فرد وفرد، بل بين أمة وأمة أخرى.

ومن المعروف علميا أن تكوين الإنسان يتأثر باتجاهين؛ الأول «جيناتيب»، وهي جينات الوراثة بالميلاد، ويأخذها الإنسان من أبيه وأجداده. والثاني «فيناتيب»، وهو تفاعل جسم الإنسان مع الطبيعة.

وما زال العلم يبحث ويكتشف الكثير والمثير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة. وعلى الرغم من الانتقادات والشائعات حول نظرية التطور البشري للعالم البريطاني الشهير تشارلز داروين، إلا أن هذه النظرية قدمت للعلوم البشرية أشياء هامة وجديدة، ساهمت في فهم الكثير من جوانب العلاقة بين الطبيعة والبشر.

وبفضل هذه النظرية وغيرها، عرفنا تأثير الطبيعة على الشكل الخارجي للإنسان والحيوان أيضا، وعرفنا أن أجسام المخلوقات تتشكل وفقا للطبيعة والمناخ المحيط بها، وأن على العلم الحديث أن يهيئ للإنسان الظروف والوسائل والأدوات التي تمكنه من الانتقال من موطنه الذي نشأ فيه، للعيش في موطن آخر مختلف تماما في طبيعته.

وقد كشف علماء التطور البشري في روسيا مؤخرا، معلوماتٍ مثيرةً حول علاقةِ تغيرِ المناخ وحالةِ الطقس بالأحداث التاريخية المِفصلية، وأثبتوا أن أهم وأبرز الأحداث في التاريخ البشري على مر آلاف السنين، ارتبطت دائما بأحداث طبيعية.

من تغيرات حادة في المناخ أو كوارث طبيعية كبيرة كالزلازل والفيضانات، وقام الباحثون الروس برسم مخطط للتغيراتِ المناخية على مدى الثلاثةَ عشرَ ألفَ عامٍ السابقة، وقارنوها بأهمِ الأحداث التي غيرت تاريخَ البشرية.

وتشير المعطيات إلى أن معظم الاختراقاتِ الثقافية والتقنية والانتقالات الكبيرة في الحضارة البشرية، منذ الحضارات الأولى وحتى زمننا هذا، كانت دائما مرتبطةٌ بتغيرات حادة في الظروف المناخية.

وقد لاحظ العلماء أنه في العصور التي حدث فيها تدهور حاد للمناخ، سواء بارتفاع درجات الحرارة أو انخفاضها بشكل ملحوظ، كانت هناك توجهات سائدة نحو توحيد القبائل والشعوب، ونحو النزوح الجماعي من أماكن إلى أماكن أخرى.

الأمر الذي كان ينتج عنه ظهور كيانات ودول جديدة على الأرض، والكثير من الدول في القديم ظهرت نتيجة عمليات نزوح جماعية لجماعات بشرية، هربا من ظروف مناخية صعبة.

وفي الفترات الزمنية القديمة، حدثت طفرة استثنائية للفكر البشري، تلتها اختراقات ثقافية وتقنية غير مسبوقة. وأثبتت الأبحاث أن جميع الأديانِ العالمية ظهرت في عصور التدهور المحلي للظروف المناخية.

فالمرحلة الأخيرة من انخفاضِ الحرارة في آسيا ما بين القرنين الخامسِ والسابع الميلاديين، رافقها ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وجرت فيها أهم الأحداث المؤثرة في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ويرى العلماء أن المشكلةَ التي تواجهها البشريةُ في القرن 21، تتمثل في أنها تدخل في عصر ارتفاع حاد لدرجة الحرارة، غير مسبوق منذ ظهور الإنسان على وجه الأرض. ويقول العلماء الروس إن البشرية ستواجه اضمحلالا فكريا وروحيا في بعض المناطق.

فعلى سبيل المثال، سيؤدي ارتفاع درجة الحرارة، إلى جفاف مساحات شاسعة من جنوب غرب آسيا وشرقي أوروبا وسيبيريا وأمريكا الشمالية. وبحسب المنطق التاريخي الذي توصل إليه العلماء، فإن هذه المناطقَ بالذات ستشكل في المستقبل القريب مهدا لبعثة روحية فكرية.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru