بعد تجربتين سابقتين في الحوار الوطني (2006-2008) برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري، انعقدت دورة ثالثة من الحوار برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، تميزت عن سابقاتها بثلاثة أمور في الشكل..
1ـ حضور القادة السياسيين الرئيسين، من غير طاقم من المستشارين والمساعدين كما حدث في جولة الحوار الأولى سنة 2006.
2ـ ارتفاع عدد المشاركين من 14 إلى 20 عضواً، بمن فيهم رئيس الجمهورية نفسه، وذلك بعد دخول وجوه جديدة هي: نجيب ميقاتي، فريد مكاري، جان أوغاسبيان، إلياس المر، سليمان فرنجية، طلال أرسلان، أسعد حردان وفايز الحاج شاهين.
أما الذين حضروا في الجلسات السابقة ولم يتم تعيينهم في دورة الحوار الحالية، فهم أربعة: ميشال المر، بطرس حرب، غسان تويني، وإيلي سكاف.
طاولة الحوار أثارت جملة من الاعتراضات والملاحظات السلبية، أبرزها:
1 اعتبار الحوار (مسرحية) استعراضية، نظراً لأن قراراته غير ملزمة ولا تمتلك أية آلية تنفيذية.
2.ـ اعتبار جلسات الحوار تخطياً للمؤسسات الدستورية (مجلس الوزراء، مجلس النواب)، المولجة رسمياً بالحوار الوطني بين فرقاء المجتمع.
3ـ التشكيك في توقيت الدعوة إلى مؤتمر الحوار، حيث إن الدعوة خرجت في البداية من الإرادة الأميركية ومن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، قبل أن تصدر من رئاسة الجمهورية اللبنانية، بحيث اعتبرت الدعوة اللبنانية مجرد خضوع للتوقيتات الأميركية أو استجابة سريعة لطلبات الأمم المتحدة، أكثر من كونها استجابة لحاجات لبنانية ضاغطة.
4ـ التشكيك في الدعوة أيضاً، باعتبارها جاءت إثر مؤتمر دمشق الذي جمع الرئيسين السوري بشار الأسد والإيراني أحمدي نجاد والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والذي أظهر إلى العلن تحالفاً ثلاثياً مواجهاً إسرائيل وراغبا في اجتذاب لبنان إلى فلكه.
5ـ اعتبار حركة 14 آذار أن تمثيل القوى السياسية الحليفة لسوريا قد ارتفع بشكل ملحوظ، مع انضمام سليمان فرنجية والوزير السابق طلال أرسلان والوزير السابق أسعد حردان إلى طاولة الحوار، والقادة الثلاثة من أقوى حلفاء سوريا على الساحة اللبنانية.
6ـ اعتراض كثيرين على غياب المعيار الواضح في اختيار المدعوين إلى طاولة الحوار، سواء كان مناطقيا أو طائفيا أو سياسياً.
7ـ مطلبات حركة 14 آذار بتمثيل الجامعة العربية على طاولة الحوار، تنفيذا لقرار سابق من هيئة الحوار التي انعقدت عام 2008، وتأميناً لتوازن عربي في مواجهة التمثيل السوري البالغ بين الفرقاء.
8ـ مطالبة البعض بتوسيع مواضيع الحوار، حتى لا تكون مقتصرة على بند وحيد هو «الإستراتيجية الدفاعية» للبنان، كما هو معلن في الدعوة إلى مؤتمر الحوار.
هذا في جانب الملاحظات السلبية، أما مؤيدو الحوار فقد أوردوا ثلاثة أسباب للترحيب بهذا الحوار المتجدد:
1ـ إن هيئة الحوار تشكل مرجعية وطنية عالية يناط بها تمثيل جميع الفرقاء السياسيين. وهي نوع من «مجلس الحكماء» أو «مجلس الشيوخ» الوارد في اتفاق الطائف، والذي لم يبصر النور بعد.
2ـ أن اللجوء إلى الحوار في غرفة مقفلة، هو السبيل الوحيد لمنع انتقال الخلافات إلى الشارع وإلى الاحتكام للعنف المسلح.
3ـ أن التمثيل القائم في هيئة الحوار، هو جامع وقريب من الشمولية الموجودة، فلا سبيل في الواقع إلى تمثيل الجميع، وإلا كانت طاولة الحوار أشبه بمجلس النواب أو هيئة فضفاضة لا قدرة لها على صياغة المشتركات الوطنية.
وفي الواقع انعقدت طاولة الحوار رغم الملاحظات، وجلس الجميع إلى طاولة جمعت الأضداد السياسيين لمدة ساعتين متصلتين.
فما هي الملاحظات والاستنتاجات التي خرج بها المراقبون السياسيون؟
هناك إجماع في الوسط السياسي على تسجيل الملاحظات الآتية:
1ـ كان الانقسام السياسي واضحا بين معسكري 8 آذار و14 آذار، سواء في الأطروحات السياسية أو في السلوكيات الاجتماعية (المصافحة، أو ترتيب مقاعد الجلوس).
فعلى امتداد ساعتين، كرر ممثلو 14 آذار (سمير جعجع، الرئيس أمين الجميل، فريد مكاري، فؤاد السنيورة) الذين تعاقبوا على الإدلاء بآرائهم، الأطروحات التقليدية لفريق 14 آذار: المطالبة بحصر السلاح في يد الدولة، رفض قيام فريق لبناني واحد باتخاذ قرار السلم والحرب نيابة عن اللبنانيين ومن غير موافقتهم.
في المقابل، استمر أركان 8 آذار الذين أدلوا بمداخلاتهم، في الدفاع عن المقاومة وسلاحها وحاجة لبنان إلى قدرتها العسكرية (العماد ميشال عون، سليمان فرنجية، طلال أرسلان، أسعد حردان).
2ـ لوحظ أن الأطراف الرئيسية في 8 آذار، لم تدل بمواقفها بعد (حزب الله، حركة أمل)، وأرجأت تقديم مداخلاتها إلى جلسة لاحقة.
3ـ تكرس خروج النائب وليد جنبلاط من صفوف حركة 14 آذار، سواء من حيث التعليقات أو مواقع الجلوس على الطاولة، والتزامه الحوار الشخصي المستمر مع الوزير إلياس المر، بحيث شكل الطرفان موقعاً وسطياً بين 8 و14 آذار.
4ـ إثارة المشاركين عددا من المواضيع، إضافة إلى البند الطاغي وهو السياسة الدفاعية للبنان (أبرز ما أثير هو مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، والحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين).
في الخلاصة، لم تخرج جلسة الحوار الأولى عن كونها دخولا تمهيديا في الحوار الذي يتوقع أن يبدأ لاحقا، وإن تكن الآمال في بلوغه نتائج جامعة، ضئيلة جداً.
ماذا حققت الجلسة الأولى؟ حققت الاستمرار في جو التهدئة السياسية والإعلامية في فترة انتظار إقليمية. إنه (حوار في الوقت الضائع)، في انتظار أن تتضح الصورة على مستوى الشرق الأوسط، سواء في الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، أو في العلاقة الأميركية ـ الإيرانية.
كاتب لبناني
