تعقد القمة العربية ال22 في جو مشحون بحمى الانتخابات في العراق، وفي أجواء ملبدة في اليمن، وفي مرارات أبدية في فلسطين المحتلة، وأجواء سودانية غائمة، وعلاقات متنافرة بين المغرب والجزائر، والقائمة تطول..

ورغم ذلك يعلق المواطن العربي بعضا من آمال على هذه القمم، فربما أتت بالفرج بعد الشدة، وباليسر بعد العسر. ولكن مع اختلاف التطلعات والأحلام، تبقى الحقيقة كالشمس لا تغطى بغربال، ويبقى النشيد الختامي لبيان القمم العربية، غالبا، كالأسطوانة المشروخة التي تعاد وتكرر، وفي النهاية نعلق خيباتنا وفشل هذه القمم على القدر!

والتساؤل الذي يطفق أمامنا في لحظاتنا الرائقة، يدور حول الأسباب التي تقام من أجلها القمم، فالأوروبيون حين يلتقون سنويا في قمة اتحادهم، يبدأون من حيث ما انتهوا في قمتهم السابقة.

ويمضون نحو استكمال أجندتهم الاقتصادية السنوية، من خلال استعراض خطوات الإنجاز نحو تكاملهم الاقتصادي. فمع بلوغ هذا الاتحاد عامه الخمسين استطاع أن يحقق الكثير والنوعي، ويضع قواعد وركائز متينة.

ورغم اختلاف لغاتهم، تمكن الأوروبيون من تحقيق أعلى مستوى من التفاهم، من خلال جملة من الاتفاقيات والاستراتيجيات التي تحققت بعد أن كانت مجرد حبر على ورق.

ولعل من أهمها تلك الاتفاقات الموحدة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية، وحرية الحركة والسفر بين دول الاتحاد، وتنفيذ بنية أساسية من الطرق ووسائل الانتقال وشبكات الطاقة وغيرها، وتعميم جواز سفر أوروبي، وتدعيم وانطلاق الاقتصاد الأيرلندي المترنح، ودعم وتطوير المقاطعات والمناطق المتخلفة.

والتسويق والتجارة، وتضييق الفوارق والهوة بين دول الاتحاد، وتنفيذ نظام تبادل المعلومات، وتنفيذ وتمكين نظام شامل للاتصالات (اسح)، وإبرام اتفاقات للعمل وحرية التنقل بين جميع أرجاء الاتحاد، وتوحيد الأجور وضمان تكافؤ الفرص بين كافة المؤسسات العاملة في القطاعات المختلفة.

وتوحيد تكافؤ الفرص بين كافة المنشآت في دول الاتحاد، وتنفيذ نظام تبادل المعلومات بين الباحثين والعلماء وسهولة الحصول عليها في كل المواقع، والاتفاق على تطبيق عملة أوروبية موحدة، وتفعيلها في يناير 2002 في 13 دولة بدلاً من عملاتها المحلية، ويستخدمها الآن 315 مليون نسمة.

أما إذا أردنا أن نستعرض النتائج التي تحققت في ظل وجود الجامعة العربية طوال ستين عاما، فإننا سنضطر للتوقف طويلا للملمة أشلاء الروح العربية الممزقة، من إحباطات وفشل وصراعات نفسية تراوحت بين الرجاء والخيبة.

ولكن لإحقاق الحق، فإن الجامعة العربية من خلال قممها، استطاعت أن تلهم الشعوب بأهمية قيمة الصبر على البلوى، وهذا مكسب من وجهة نظر البعض..

فالجامعة التي ظل العربي يحتمي في حماها، لم تستطع أن تحقق ولو نسبة ضئيلة من أهدافها التي كانت سببا لإنشائها، فلا تحقق الأمن ولا السلم، ولا استطعنا أن نسترجع فلسطين المحتلة، ولم نستطع أن نحل المشكلة اللبنانية وحربها الأهلية.

ولم تحل حتى هذه اللحظة مشكلة الصحراء الغربية، ويمكن القول إن اليمن السعيد لم يعد سعيدا، وحتى اللحظة لا يعرف السودان طعم الاستقرار، أما الصومال فقد قرأنا الفاتحة ومنذ زمن طويل على روحه الطاهرة..

والخيبة الأكبر كانت في ضياع هيبة العراق العظيم، لنبكي كل يوم على أشلائه الممزقة بين الطائفية والعرقية، لدرجة أنه أصبح من أكثر الدول الفاشلة سياسيا.

ماذا نتذكر من حسنات هذه الجامعة أيضا ونحن نقبل على قمة جديدة؟ ربما لا ننسى، ولا يمكن أن ننسى غياب الروح العربية الواحدة، التي ظلت الأجيال تنشدها وتصيح بأعلى صوتها «وحدة وحدة قومية»!

لا ندري لماذا كلما اقتربت تلك القمم من الانعقاد، تأخذنا مشاعر الحسرة على ما كان يمكن أن يحدث لو اجتمعت الإرادة العربية على قلب رجل واحد، والسنوات التي ضاعت دون تحقيق أي منجز عربي واحد نفخر به.

ومع ذلك، نتطلع اليوم إلى القمة في الجماهيرية الليبية، فربما كان للأخ القائد معمر القذافي رأي آخر، فهو الذي عودنا على المفاجآت في لقاءاته مع الأشقاء، ونوادره التي تظل الفضائيات العربية توردها ليل نهار..

ربما آن الأوان لوضع أجندة اقتصادية قابلة للتنفيذ، نريد أن نلمس بأيدينا ونرى بأعيننا مشروعات غير وهمية قد قامت بين الدول العربية وبرعاية من الجامعة، نريد أن نسمع عن تلك المشكلات التي باتت تؤرق مستقبل الشعوب العربية دون أن تثار أو يلتفت إليها.

فمشكلة المياه ستصبح قريبا سببا رئيسيا للحروب بين بعض الدول، ومنها دول عربية، فماذا ستقدم القمة من مشروعات لحل هذه المعضلة؟ وكيف يمكن أن نستفيد من التجارب الناجحة في بعض الدول العربية لتعميمها؟

إن الوهن الذي أصاب الجامعة العربية باكرا، كان ولا يزال عجز الدول العربية عن علاج أنظمتها السياسية والاقتصادية.

وخيراً فعل الاتحاد الأوروبي، حين اشترط على الدول الأوروبية الراغبة في الانضمام للاتحاد ضرورة توفر عدة معايير، لعل أهمها وجود مؤسسات مدنية مستقرة قادرة على ضمان الديمقراطية.

وسيادة حكم القانون واحترام حقوق الإنسان واحترام وحماية حقوق الأقليات، ووجود اقتصاد سوق فعّال وقادر على تحمل عبء المنافسة مع قوى السوق ضمن إطار الاتحاد.

ورغم أن المقارنة ظالمة بين هذين الكيانين، إلا أن الواقع العربي دائما ما يشعر بالدونية تجاه النجاحات التي يراها عند الآخرين، وخاصة النجاح الباهر للاتحاد الأوروبي.. إن النزعة لتحقيق النجاح، حق مشروع لكل مواطن عربي لايزال يحلم بأن القمة القادمة ربما تكون الأفضل.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com