من نافلة القول إن التعليم في أي مجتمع من المجتمعات هو قطب الرحى لتنشئة الأجيال على أسس متينة من المعرفة والثقافة، وكلما كانت الفلسفة التعليمية قائمة على رؤية واضحة لا لبس فيها ولا غموض وعلى دعائم متينة قادرة على الانطلاق بطموحات الوطن، من خلال خطط غير حالمة تلامس أرض الواقع وتترجم هذه الطموحات، كلما كان ما نصبوا إليه من الارتقاء بنظامنا التعليمي أقرب إلى التحقيق.
ومن هنا فإن توجيهات القيادة السياسية الرشيدة، بطرح استراتيجية التعليم على الموقع الإلكتروني لرئاسة مجلس الوزراء، ودعوة المجتمع بكل أطيافه لمناقشة بنودها، هي خطوة غير مسبوقة لم نعتد عليها كثيرا في عالمنا العربي.
وفي الاتجاه الصحيح لكيفية التعامل مع القضايا الكبرى، وأشعرتنا جميعا أن مستقبل أبنائنا محل اعتبار كبير وأكبر من أن يخضع للمحاولة والخطأ الذي تكون عواقبه وخيمة، خاصة في مجال يعني بصناعة العقول والتكوين الفكري والثقافي لمن سيحملون راية البناء مستقبلا.
ولا ريب أن هذا الزخم الفكري الذي صاحب ذلك وما زال، والتفاعل المجتمعي مع هذه الاستراتيجية ليعلن بجلاء أننا أمة حية لا يستغرق أبناءها الهم الخاص، كما يبدو أحيانا، بقدر ما تعنيهم القضايا العامة.
لذا فإن هذا الحراك المجتمعي أثبت أننا جديرون بأن نشارك في بناء حاضر وطننا والتخطيط لمستقبله خاصة في القضايا التي ترتقي إلى مصاف قضايا الأمن القومي وليس في ذلك مبالغة فالولايات المتحدة الأميركية عندما شعرت أن هناك خللا ما في نظامها التعليمي، قامت بتعبئة فكرية عامة ورفعت شعار «أمة في خطر».
وفي تقديري أن قيادتنا السياسية أرادت بتلك الدعوة، وضع أبناء وطننا من مفكرين ومهنيين ومن أصحاب الاختصاص ومن له صلة. على المحك ليضع لبنة في بناء صرحنا التعليمي لا أن يقف موقف المتفرج من بعيد، ولأننا جزء من هذا الوطن، يعنينا ما يعنيه، فقد وجبت علينا المشاركة.
وعليه أضع هنا بعض الخواطر حول هذه الاستراتيجية لعلها تمثل نقطة ضوء تضيف إلى مشعل العلم قوة وتبيانا.
إن الاستراتيجية تم وضعها بناء على دراسة مستفيضة للأنظمة التعليمية الرائدة في العالم، والتي حققت نجاحات في مجال التعليم وكان محورها الطالب، وركزت على عدة محاور، منها التحصيل العلمي للطالب والبيئة المدرسية، وتكافؤ الفرص التعليمية بين الطلبة.
بينما لم يتم التركيز على المعلم بنفس القدر من الاهتمام على الرغم من أن المعايير العالمية التي تقوم على أساسها النظم التعليمية العريقة تأخذ بعين الاعتبار المبدأ التكاملي بين كل عناصر العملية التعليمية والتي تتفاعل في ما بينها لتشكل في النهاية ما يعرف بالنظام التعليمي، دون تفضيل عنصر على آخر.
كما أن الدراسات الحديثة تثبت أن نجاح العملية التعليمية، يتطلب التركيز على المعلم والمتعلم في آن واحد وبنفس القدر من الاهتمام وأن يتم تجسيد أهمية المكانة الاجتماعية للمعلم من خلال وضع آليات محددة لإعطائها المنزلة التي تستحقها، بالإضافة إلى عناصر العملية التعليمية الأخرى.
إن التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تشهدها الدولة، لا بد أن تتواكب معها تطورات في الجانب التعليمي. من هنا فإن الاهتمام بالتعليم المهني ضروري لمجتمعنا، للتخفيف من حجم العمالة الأجنبية في هذا المجال، وكذلك المساهمة في حل مشكلة التركيبة السكانية.
ويمكن أن يتم ذلك من خلال إعطاء امتيازات للطلاب المقبلين على هذا النوع من التعليم أثناء الدراسة وبعد التخرج، وهو ما من شأنه أن يقلل من الاعتماد على العمالة الوافدة في هذا المجال.
إن اهتمام الاستراتيجية الجديدة بقضية المواطنة وتعزيز الهوية الوطنية، هو أمر بالغ الأهمية في ظل اتجاهات العولمة وما لها من تأثير رئيس في معظم أوجه حياتنا.
إلا أنه في كل الثقافات وفي كل الدول يمكن أن يصبح التعليم واقيا من مثل هذه الهيمنة، من خلال التأكيد على أهمية إتقان اللغة العربية في المراحل التعليمية الأولى (الإبتدائي والإعدادي)، باعتبارها اللغة الأم.
وتمكين الطالب من الإلمام بجوانبها المختلفة، بل يجب إعطاؤها الأولوية المطلقة على غيرها من اللغات. فاللغة ليست أداة اتصال فقط، بل هي تعبير عن الهوية الوطنية والانتماء الحضاري.
إن الاستفادة الفعلية من الخبرات والنظم التعليمية التي جاءت هذه الاستراتيجية لتعبر عنها، يستوجب وضع لوائح ملزمة تحكم العلاقات بين كافة عناصر العملية التعليمية.
وخاصة أولياء الأمور وإدارات المدارس والمناطق التعليمية بحيث تنص على التقييم العلمي للمستوى الحقيقي للمخرجات (المتعلمين)، احتكاما إلى المعيار العلمي فقط، لتخريج كفاءات تتميز بالجدارة والاستحقاق، وأن يخضع توظيف الخريجين لمعيار الكفاءة والاقتدار المهني، لتشجيع المنافسة والجدية بين المعلمين.
إنني على يقين أن هذه الاستراتيجية حال تطبيقيها، سيكون لها أثر عظيم على البلاد وأبنائها، وهذا الدعم اللا محدود وتلك الدفعات القوية من القيادة السياسة، لهي الضمانة الأكبر لنجاحها.
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا