كانت أزمات الرأسمالية السابقة كلها تجري في ظل الدولة القومية، إذ كانت هناك حدود معروفة لآثار السياسة الاقتصادية، وحدود معروفة لنشاط الشركات ولاستثمار رؤوس الأموال، بل وحدود معروفة لانتشار القيم والعادات الاستهلاكية.
الآن أصبحت السياسات الاقتصادية للدولة تتأثر بشدة، بما يحدث خارج الدولة، وتؤثر بدورها في الدول الأخرى.
والشركات لا يكاد يعرف أصلها القومي، ويمتد نشاطها إلى كل أركان المعمورة. وقل مثل هذا عن حركات رؤوس الأموال، وانتشار القيم الاستهلاكية من بلد لآخر.
كان لا بد لهذا التطور أن تكون له آثاره على الأزمة العالمية، فيطبع هذه الأزمة الجارية بسمات تختلف عن الأزمات السابقة. وكالعادة، هناك الآثار الخبيثة والآثار الطيبة.
فمن ناحية، تؤدي العولمة إلى سرعة انتشار الأزمة من دولة إلى أخرى، بالمقارنة بانتشارها في الثلاثينات والأزمات السابقة عليها، تماما كما يحدث لانفلونزا الطيور أو الخنازير. ولكن هناك من ناحية أخرى، اشتراك العالم كله (أو المتقدم اقتصاديا على الأقل) في البحث عن حلول ووضعها موضع التنفيذ.
فلننظر كيف هرع قادة أوروبا واليابان إلى واشنطن بمجرد نشوء الأزمة، لتبادل الرأي في كيفية مواجهتها، وكأنهم يقولون للولايات المتحدة: «لا يجب أن تظني أن بإمكانك إيقاع العالم كله في هذه الكارثة بسبب سياسات خرقاء ارتكبتها، دون أن تسمعي رأي العالم في ما يجب عليك صنعه». وأظن أنه في هذه الحالة على الأقل، لم يكن أمام الولايات المتحدة إلا الاستجابة.
بل وليس من الإفراط في الخيال أن تسفر الأزمة الحالية عن تقدم ملحوظ في التعاون الدولي، وعلى الأخص في إدارة شؤون الاقتصاد الدولي، أكثر من أي وقت مضى، سواء بالمقارنة بعصبة الأمم، التي تكونت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أو منظمات الأمم المتحدة التي تكونت في أعقاب الحرب الثانية.
لقد أصبح العالم أكثر استعدادا من أي وقت سابق، لقبول نوع أو آخر من «الحكومة العالمية».
ولكن، لعل أهم ميزة لعصر العولمة، في ما يتعلق بالأزمة الاقتصادية، أن من المستبعد جداً أن تؤدي هذه الأزمة الحالية إلى حرب عالمية.
لقد ساهمت أزمة الربع الأخير من القرن التاسع عشر في اندلاع الحرب العالمية الأولى، وساهمت أزمة الثلاثينات في اندلاع الحرب العالمية الثانية. بل ويكاد يجمع الاقتصاديون على أن الذي قضى نهائيا على أزمة الثلاثينات، لم يكن السياسات الكينزية بقدر ما كان قيام الحرب العالمية الثانية، أو بعبارة أخرى، أن أهم تطبيق للسياسة الكينزية كان الإنفاق على الحرب.
ولكن هذه الأزمات السابقة كانت تجري، كما قلت، في ظل الدولة القومية، ومن ثم كان من الممكن أن تشتبك الدول، بعضها ببعض، في حروب قومية، ولو كانت تسمى حينئذ ب«العالمية».
كان من الممكن أن تخاطب الحكومة البريطانية شعبها بالقول إنهم، بالتضحية من أجل الانتصار في الحرب، يضحون من أجل وطنهم، وهكذا كانت تقول الحكومات الفرنسية والألمانية والإيطالية واليابانية والأميركية.. الخ.
أما الآن فقد أصبح مثل هذا أقل قدرة على الإقناع مما كان. فمن الصعب الآن مثلا أن تعلن الولايات المتحدة وأوروبا حربا عالمية ضد الصين، باسم التضحية من أجل الوطن. فالجميع يعرف الآن الغرض الحقيقي من هذه الحروب، ولا عجب أن ألف كثير من هذه الدول نظام الخدمة العسكرية الإجبارية، وأصبح الاشتراك في القتال بالتطوع مقابل أجر مجز.
ولكن هناك أسبابا أخرى لصعوبة تصور حرب عالمية الآن، بالإضافة إلى فهم الناس الآن لدوافعها أكثر من ذي قبل، وهي أسباب تتعلق بالعولمة. فالولايات المتحدة إذا أقدمت على ضرب الصين بالقنابل، كيف يمكنها أن تتأكد من أنها لن تضرب مصنعا أميركيا؟
والصين إذا ضربت أميركا بالقنابل، كيف يمكنها أن تتأكد من أنها لن تضعف بشدة قيمة استثماراتها، ولن تخفض من قيمة سندات الحكومة الأميركية التي تملكها؟ نعم، أصبح من الصعب أن نتصور أن يكون حل الأزمة العالمية بقيام حرب عالمية.
ولكن ليس معنى هذا أنه لا يمكن المساهمة في حلها بحروب صغيرة هنا وهناك، في أفغانستان مثلا أو السودان. بل من الممكن جداً النظر إلى ما يجري في هذه البلاد، على أنه بديل للحرب العالمية، ولتحقيق أهداف مماثلة.
ملاحظة أخيرة تتعلق بالعالم العربي بالذات. إن العولمة كما تفرض على الدول المتقدمة اقتصاديا التعاون من أجل الخروج من الأزمة، تفرض الشيء نفسه على الدول الأقل دخلا. وينطبق هذا على الدول العربية، كما ينطبق على غيرها من دول العالم الثالث.
بل إن من الممكن القول بأن التقارب الاقتصادي العربي، لم يكن قط مرغوبا فيه مثل ما هو الآن، إذ ما أكثر ما يمكن أن يحققه هذا التقارب في سبيل تخفيف حدة البطالة المنتشرة في البلاد العربية، والتخفيف من آثار انخفاض الاستثمارات الواردة من الخارج، ومن انخفاض الطلب على الصادرات العربية..
الخ. ولكن من المحزن أن التقارب الاقتصادي العربي، شأنه شأن التقارب السياسي العربي، يبدو أضعف اليوم مما كان عليه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
إن أصدقاءنا الحقيقيين الذين يمكنهم تقديم مساعدة حقيقية لنا، سواء كانوا من البلاد العربية الأخرى أو من بلاد العالم الثالث غير العربية، تقوم بينهم وبيننا حواجز ليست من صنعنا. ومن ثم يبدو أنه لا مناص، للأسف، من أن ننتظر حتى تنجح الدول الأكبر منا في علاج الأزمة.
كاتب ومفكر مصري
