لا شك أن ملفات أزمة الشرق الأوسط ومسيرة التسوية السلمية، بدأت تواجه عقبات كبيرة أدت لتصاعد التوتر في المنطقة، ودفعت بخطط التسوية، وبشكل خاص خطة «خارطة الطريق»، إلى طريق مسدود.
وكلما سعت روسيا للقيام بخطوات تستهدف إخراج التسوية السلمية من مأزقها الراهن، تقع سلسلة تطورات، وتصدر مجموعة قرارات تؤدي لإفشال الجهود الروسية.
فقد قررت الحكومة الإسرائيلية بناء 1600 وحدة سكنية للعائلات اليهودية في القدس الشرقية، والتي تعتبر من وجهة النظر الدولية «أراضي فلسطينية محتلة».
وجاء هذا القرار على أعتاب الإعداد لإعادة استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولو غير المباشرة، والتي بدأت بقرار الجامعة العربية، حول تأييد فكرة إجراء مفاوضات فلسطينية إسرائيلية غير مباشرة بوساطة أميركية.
وقد رحبت موسكو بهذا القرار، استنادا لإدراك الدبلوماسية لتعقيدات الوضع القائم والتباين الشديد في مواقف الطرفين، ما يجعل هذه الخطوة فرصة لإحياء عملية السلام على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومبادئ مدريد و«خارطة الطريق». وفي نفس الوقت كان يجري التحضير لعقد لقاء لرباعي الوسطاء الدولي في العاصمة الروسية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرئيس الروسي ديمتري مدفيدف كان قد أعلن من باريس، أن المؤتمر الدولي الخاص بأزمة الشرق الأوسط يجب أن يعقد في العاصمة الروسية، مؤكدا استعداد روسيا للعمل في إطار مقترحات أخرى، بما فيها المقترح الفرنسي.
وأشار إلى سلسلة اللقاءات التي أجراها مع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، والرئيس اللبناني ميشال سليمان، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والتي تناولت كلها ملفات الأزمة الشرق أوسطية.
وفي الوقت الذي تشدد فيه روسيا على ضرورة اتخاذ إجراءات لتحريك عملية السلام في الشرق الأوسط من نقطة الجمود، وتناشد الطرفين بعدم اتخاذ أية خطوات أحادية الجانب قبل تسوية القضايا المحورية، وفي مقدمتها تحديد الوضع القانوني النهائي للقدس والحدود، تصدر الحكومة الإسرائيلية قرارها الخاص ببناء 1600 وحدة استيطانية جديدة في القدس الشرقية.
ولا شك أن هذا القرار الذي وجهت له الإدانة والاستنكار، ليس فقط من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي اعتبر أن النشاط الاستيطاني الإسرائيلي يتنافى مع القانون الدولي العام وخطة «خارطة الطريق» ويقوض عملية السلام، وإنما أيضا من البيت الأبيض الأميركي.
حيث اعتبر جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي، أن قرار الحكومة الإسرائيلية بناء وحدات سكنية في القدس الشرقية، يقوض الثقة ببدء المفاوضات غير المباشرة، مشددا على أنه لا بديل عن حل الدولتين في أي خطة سلام شاملة.
ويبدو واضحا أن إسرائيل لا تسعى لإنجاح التسوية السلمية، بل إنها تبذل جهودا ملموسة لإفشال مساعي موسكو، وتعمل على تقليص وتهميش دور روسيا في التسوية السلمية. ولا يقتصر الأمر على أن إسرائيل ترفض توسيع الدور الروسي في التسوية الشرق أوسطية وتعرقل مساعيها لعقد مؤتمر موسكو الدولي، بل تستهدف عزل روسيا عن المنطقة.
ورغم إصرار روسيا على بناء توازن في علاقاتها مع إسرائيل والدول العربية، كي تتمكن من القيام بوساطة مثمرة، إلا أن حكومات تل أبيب لم تحترم الموقف الروسي المقبل عليها والساعي إلى إقامة علاقات جيدة معها.
وقد أصبحت إسرائيل ملجأ لخصوم الحكومة الروسية، ورجال المافيا الهاربين من أحكام بالسجن في روسيا بسبب تورطهم في قضايا الفساد ونهب المال العام، ناهيك عن عمليات الابتزاز التي تمارسها القيادات الإسرائيلية في حق الكرملين، حول حقوق اليهود الروس وما تعتبره معاداة للسامية في روسيا، وكأن اليهود الروس جالية مستقلة، وليست طائفة من مجموع طوائف الشعب الروسي المتعدد الأديان والقوميات.
ولعل اليهود الروس يحظون بحضور في مختلف مجالات العمل، ليس له مثيل في أوروبا الغربية وربما في الولايات المتحدة. فقد تولى عدد منهم رئاسة الحكومة والعديد من المناصب الوزارية في روسيا، ويتزعم البعض الآخر عدداً من الحركات السياسية والكتل البرلمانية.
كاتب روسي