حادث الراشدية ومقتل الصبي فتحا الباب على مصراعيه لإعادة الأسئلة حول شؤون الأحياء السكنية ودور الأهالي في ضبط الأمور بالتعاون مع هيئات المجتمع، وإذا كان الحزن يغلف الحكاية بكاء على هذا الصبي البريء الذي راح غدرا، فان هناك أيضاً خمسة آخرين قد ذهبوا في معية خطئهم الكبير، وفي الحالتين خسارة لا يتحملها إلا المجتمع..

وبرغم الحزن، فان الحراك الحادث الآن حول هذا الأمر حراكاً صحياً، وواجباً مطلوباً على الدوام، فحينما تذهب هيئة تنمية المجتمع إلى عقد جلسة مع أهالي حي الراشدية، فإننا نعتبر هذا الذهاب وهذه الخطوة بداية عمل اجتماعي يعتمد خطة بعيدة المدى، وبداية علاقة صحيحة بين هذه المؤسسة وبين فعلها في المجتمع، فهيئة التنمية الاجتماعية، وأي هيئة تنمية، في أي مكان، لا يمكن أن تحمل عنوانها العريض بصورة طبيعية من خلف جدران المكاتب.

ومن دون العمل في الميدان، ولهذا فان مجلس الراشدية الذي عقدته الهيئة وجلبت له الأهالي والمختصين، وقيل فيه كلام مهم جدا، يجب أن يبقى مجلسا مفتوحا على الدوام، ويجب أن ينسخ ويكرر في جميع أحياء ومناطق المدينة، ففي الأحياء السكنية شؤون وشجون، وفيها أسرار وقضايا، وفيها مطالب وحقوق ولها وعليها واجبات.

الأمر الآخر وكما هو لا يغيب عن بال كل من قلبه على المجتمع وهويته ومستقبل أجياله القادمة، إن الأحياء السكنية ما زالت مفرغة من مناشط العمل الاجتماعي، ومن استثمار طاقاته ومن أدنى مستحقاته من البني التحتية، والعارفون بالخطر المحدق للتركيبة السكانية.

وبالتيارات الثقافية التي بدأت تسيطر على عقول الأبناء والآباء أيضاً، يعون مدى أهمية إحياء الهوية الوطنية في الأحياء، ويعون مدى حاجتها للعودة إلى تفاصيل الجذور، يوم كانت الأحياء السكنية وحدات مترابطة، تعيش كاسرة متلاحمة، لا يسيطر عليها مناخ الغربة والاغتراب.

أحياء مجالس الأحياء السكنية أمر في غاية الأهمية، وتواصل هيئات المجتمع ومؤسساته مع هذه المجالس مطلب لا مهرب منه، وربط الفرد بالحي والحي بالمجتمع، والمجتمع بالأهداف الوطنية العليا هو الطريق الطبيعي الذي تدفعنا عنه بعيدا تيارات الاغتراب والتغريب.

قضية فتى الراشدية، وكما يتحدث الناس اليوم ليست قضية عابرة، ولا يجب أن نتعامل معها كذلك، بل هي إشارة واضحة إلى ضرورة عودة الأمور إلى طبيعتها، فالحي قديما، وقبل أن تأتي هيئات التنظير المنظرون، كان الهيئة الاجتماعية، يقوم بدورها ويحل مكانها.. وحينما تقنن العمل في الدفاتر ووراء المكاتب الوثيرة وخلف الجدران الزجاجية، بعدت الغايات وتشتت.

جولة بسيطة في طرقات وسكيك كل حي كافية أن تجعلنا ندرك النواقص التي تحتاج إلى ردة فعل ايجابية تصحح الكثير من الأخطاء وتدرأ الخطر.

mhalyan@albayan.ae