إذا كانت ألمانيا الدولة الصناعية العظمى تنصح اليونانيين بالنهوض مبكرا لسداد ديونهم، فبم ستنصحنا نحن؟ حتى الآن لم ينصحنا أحد بالقيام بعمل أي شيء ـ ربما لعلم الجميع بمدى خطورة سياسة الوضوح في بلداننا العربية والإسلامية.

ولم تعلن حتى الآن أي دولة من الدول العربية الاثنتين والعشرين اعتمادا على التحاليل المخبرية عن مدى تطور إصابتها بأنفلونزا الديون نتيجة تداعيات الأزمة العالمية باستثناء إمارة دبي التي اختارت لنفسها خط الوضوح وسياسة البحث عن حل من خلال مجابهة الأزمة وليس دفن رأسها في الرمال كما فعلت دول أخرى. وهذا يحسب في صالحها رغم ما كتب وما سيكتب عنها.

صحفنا وتقاريرنا العربية لا تتحدث سوى عن تداعيات زلزال تشيلي على بعد آلاف الكيلومترات عن حدودنا، وعن آخر موديلات الهواتف المتحركة البلاك بيري والآي فون، وعن بعض الغرائب التي تتناقلها بعض الصحف اليومية، كولادة ماعز بخمسة أرجل في الصين.

وسيدة مكسيكية تلد تسعة توائم، وعريس عربي يطلق عروسه في صباح اليوم التالي. ولم تأخذ أزمتنا المالية الداخلية أي حيز من تلك الصفحات.

ومن الغرابة في مكان، أن الأزمة المالية العالمية لم تعرف بعد طريقها إلى الدول العربية والإسلامية. اليونان تلك الدولة (على الأقل صناعية مقارنة بدولنا) تحارب على كل الجبهات من أجل إنقاذ سفنها، مع أن ديونها لا تتعدى 8 ,4 مليارات يورو، ورغم استعداد الاتحاد الأوروبي للوقوف إلى جانبها.

ورغم أن الحكومة اليونانية اتخذت - علنا وبصوت عال وبدون تراجع - إجراءات تقشف صارمة تتمثل في زيادة الضرائب وخفض الرواتب وتقليص الميزانية ما قسم المواطنين إلى مؤيد ومعارض، وشلت الإضرابات يوم الخميس الماضي كافة القطاعات العاملة في شتى أنحاء البلاد، والبحث مازال قائما على قدم وساق عن حل لإنقاذ السفينة التي تتلاطمها أمواج الديون الداخلية والخارجية.

ويقال إن رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو لا ينام هذه الليالي سوى ثلاث ساعات فقط، متنقلا من دولة أوروبية إلى أخرى يطلب المعونة من مال الله. إذا كان هذا هو حال جمهورية اليونان الصناعية والزراعية والسياحية، فماذا ترى يحدث في دولنا النائمة على مخدات النعام؟

وإذا كان هذا الحال بالنسبة لدول عظمى كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وايطاليا واليابان وغيرها من الدول الصناعية، فأين تقع الدول العربية والإسلامية من هذا الزلزال المدمر؟

المشكلة الأساسية في عدم الوضوح العربي والإسلامي أمام هذه الأزمة هو الخوف من نتائج إعلانها الذي قد يسبب الفوضى والارتباك وهذا ما لا ترغب الحكومات العربية والإسلامية فيه.

بالرغم من عدم وجود دولة عربية أو إسلامية واحدة لديها مواطن واحد قد يشكل تهديدا لأمن واستقرار بلده لشدة تضحيته لها ولثقته الغالية بمن يحكمه ولعمل أجهزة الأمن على رعايته في حضوره وفي غيابه.

المشكلة الثانية في الأزمة الاقتصادية العربية والإسلامية غير المعلنة، أنها تمس دولا لم تتعد في منتجاتها البسيطة منتوجات المنسوجات وزراعة بعض المحاصيل الزراعية التي تكفي بالكاد لاحتياجات مواطنيها إلى صناعة بعض المنتجات الهامشية البسيطة ذات الجودة المتدنية من علب الكلينكس إلى معلبات الفول .

وبعض لعب الأطفال المهترئة (في صناعات التجميع)، وهي صناعات بدائية ما زالت تسير القهقرى. فمن وماذا يحمي اقتصاد هذه الدول؟

النقطة الهامة الأخرى في موضوع الديون العربية التي لم تعلن بشكل واضح ولم تواجه بدراسات الخبراء، هو اعتمادها على المصارف الأجنبية في استثماراتها، مع أن الدول العربية النفطية بالذات كان لديها فائض من رؤوس الأموال هذه.

وكان من السهل جدا (مع ضرورة وجود الثقة في المقام الأول والمغامرة في المقام الثاني) استخدامها للاستثمار العربي والإسلامي بدلا من تكديسها على شكل أصفار لا متناهية في المصارف الغربية الأجنبية وخاصة الأميركية والكل يعرف إلى أين آل مصيرها في النهاية.

نحن نعتبر دولا بدائية مقارنة بأخرى، معتمدين على منتجات استهلاكية شرقية من الصين واليابان والهند وكوريا، وغربية من كل أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ومع هذا أوقعنا بأنفسنا ـ دون خبرة ودون دراسة ـ في مضاربات وهمية في أسواق المال المحلية بل وحتى في أسواق المال العالمية.

ومعظم الشركات التي كنا نضارب عليها هي أيضا لم تكن واضحة وأمينة في إعلان نتائجها السنوية وفي أحيان كثيرة في وجودها نفسه. وهكذا أصبحت خسائرنا مضاعفة وكارثية.

أيا كان سبب المرض المالي والاقتصادي الذي نعاني منه، فهو في النهاية وباء عالمي ويجب عدم التهرب من مواجهته على المستوى العام والخاص. إن التخوف من وخزة حقنة الطبيب لمعالجة المرض في الوقت المناسب أشد خطورة على المريض من المرض نفسه.

نحن لا نريد أن نسمي بالاسم دولة عربية أو إسلامية معينة، لأن الكل مشترك في الكارثة. ولكننا إذا ضربنا مثالا واحدا فقط بناء على ما أدلى به وزير المالية السوري بأن الديون الخارجية السورية لا تتعدى الـ 5, 5 مليارات دولار، لوجدنا أن ديون سوريا تعادل بالتقريب ديون جمهورية اليونان التي بلغت 8 ,4 ملايين يورو.

فما بالك بالدول العربية والإسلامية الأخرى كجمهورية السودان التي تبلغ ديونها الخارجية 32 مليار دولار؟!

إن نصيحة الألمان لليونانيين بالنهوض باكرا لتسديد ديونهم يجب أن تطبق لدينا قبل غيرنا. فهناك خمول وكسل وتكتم عام في مواجهة الأزمة التي تعصف بالعديد من دول العالم.

ولا أحد يريد أن يتحمل مسؤولية البحث عن الحل باكرا في انتظار أن يحل الظلام ونكتشف أن التيار الكهربائي مفصول والماء مقطوعة لعدم تسديد فواتير هيئة الكهرباء والماء.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com