أجاز العرب للسلطة الفلسطينية أن تبدأ مفاوضات غير مباشرة مع حكومة نتانياهو، استجابة لطلب الإدارة الأميركية، وخضوعاً للعنت الإسرائيلي الذي سد جميع المنافذ المحتملة لسلوك طريق التسوية.
وبديلاً عن الحال المستنقعي الذي أصبحت عليه المفاوضات ومحاولات التسوية، وإيهاماً بأن المسألة مازالت حية، وأن السعي جاد للوصول إلى النهايات السعيدة.. والأمر كله في نهاية التحليل، خداع للنفس وتكريس للأوهام، وقبض للريح، فكيف تحل مفاوضات غير مباشرة خلال أربعة أشهر، ما عجزت عقود من الحروب والمفاوضات عن حله؟!
لم يحدد القرار ماهية المفاوضات غير المباشرة ولا أهدافها، ولا مستوى المتفاوضين، ولا المرجعية القانونية للمفاوضات، ولم يتمسك بأية ضمانات لإنجاحها، كما لم يحدد دور الراعي الأميركي فيها بالتفصيل، أو مسؤوليته في هذه المفاوضات، أو اشتراط تعهده بالإشارة إلى أسباب فشلها وإلى المسبب في هذا الفشل عند حصوله (وهو سيحصل لا محالة).
وهكذا تنطلق المفاوضات من فراغ، وتعمل في فراغ، ولا يخشى المفاوض الإسرائيلي فشلها، بل يسعى إلى هذا الفشل، وكل ما يهمه الآن هو أن يظهر نفسه للعالم وكأنه يسعى إلى مفاوضات وتسوية وسلام، ببراءة وإخلاص، طمعاً في تنظيف بعض من ممارساته الهمجية والعنصرية.
وتجديد الزعم بأنه هو أيضاً يعمل للسلام، بينما يستمر في سياساته وإجراءاته العنصرية والاستعمارية، سواء بالاستمرار في الاستيطان في الضفة والقدس، أم في هدم البيوت، أم الإمعان في استكمال جدار الفصل العنصري، أم بزيادة الحواجز على طرقات الضفة، أم في حصار غزة وتجويع شعبها، والتي لم يشترط العرب وقفها خلال المفاوضات على الأقل.
لماذا المفاوضات غير المباشرة، ما دامت غير مشروطة بأي شرط يوحي بالاعتراف بالحق الفلسطيني أو بإيقاف الاستيطان أو تجميده، وليس لها أسس أو معايير، ولا تنطلق من ثوابت، ولا يلام مستقبلاً من يقودها إلى الفشل ويودي بها، ولا تعتمد على أية مرجعية لا دولية ولا غير دولية، أو على أي التزام أميركي أو أوروبي يستقوي بالقانون الدولي، لمعاقبة من يتنصل منها أو يفشلها أو يحولها إلى مباراة كلامية ومزاعم لا أساس لها؟!
وهي بهذا ستقوم بدور سلبي تحجب من خلاله وراءها، جرائم الحكومة الإسرائيلية وآثامها وسياستها العدوانية ورفضها لأية اتفاقية تسوية، حتى لو كانت اتفاقية إذعان، لأنها تريد استسلاماً فلسطيناً وعربياً كاملين، ولم تعد تكتفي بمجرد اتفاقيات الإذعان.
عقدت الأطراف العربية مفاوضات غير مباشرة وأخرى مباشرة في تسعينات القرن الماضي، في مدريد أولاً، ثم في الولايات المتحدة. ففاوض الأردنيون والفلسطينيون والسوريون، إسرائيل مباشرة ومداورة، وبرعاية أميركية مباشرة وجادة، فقاد العنت الإسرائيلي هذه المفاوضات إلى لا شيء، واستعاض عنها الفلسطينيون بمفاوضات أوسلو، والسوريون بمفاوضات «واي بلانتيشن».
وتوصل الفلسطينيون والإسرائيليون إلى اتفاقية أوسلو التي نزعت عنها إسرائيل حيويتها و«دسمها» فيما بعد، وحولتها إلى اتفاقية من مادة واحدة، هي اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، مقابل لا شيء جدياً وجوهرياً. كما عقد السوريون مفاوضات مباشرة مع ممثلي أكثر من حكومة إسرائيلية، من اليسار (رابين، باراك) ومن اليمين (نتانياهو)، ثم عقدوا مفاوضات غير مباشرة برعاية تركية (مع إيهود أولمرت).
وفي الحالات كلها عاد المفاوضون من مفاوضاتهم صفر اليدين، وكانت المفاوضات كلها في الواقع مباريات كلامية ومضيعة للوقت، لم يستفد منهأ أحد سوى الحكومات الإسرائيلية، التي لم تغير (كرمى للمفاوضات على الأقل) شيئاً من سياسساتها، بدءاً من العدوان وهدم البيوت والاستفزاز، وصولاً إلى توسيع الاستيطان.
والتطلع إلى أن تكون هي القوة الإقليمية الرئيسية صاحبة القرار الفصل في تقرير مصير المنطقة، وإعادة تشكيل «الشرق الأوسط» بزعامة إسرائيلية، بل بأوامر إسرائيلية.
للمرة الثانية، تقرر لجنة الشؤون الخارجية في المجلس النيابي الأميركي، أن الدولة العثمانية ارتكبت أعمال إبادة في حق الأرمن، وأمام موقف الحكومة التركية الصلب والجاد وتهديدها المصالح الأميركية، بدءاً من إغلاق قاعدة «أنجرليك» العسكرية، وانتهاء بالدور التركي المعتدل في المنطقة، اضطر المجلس النيابي الأميركي إلى عدم الموافقة على قرار اللجنة في المرة الأولى.
ومن الواضح أنه لن يوافق على هذا القرار الآن، خاصة بعد تصريح إدارة الرئيس أوباما بأنها ستتدخل لتجنب الموافقة. وهكذا، حتى أقوى دولة في عالمنا وفي التاريخ، انصاعت للتهديدات التركية، وخشيت من استخدام تركيا ما تملك من أوراق تضر بها وبمصالحها. وفي ضوء ذلك يصبح التساؤل مشروعاً؛ لماذا لا يستخدم العرب ما لديهم من أوراق التهديد (تهديد فقط) لأميركا وإسرائيل؟
بل لماذا لا يوظفوا هذه الأوراق فعلاً في «لعبة» المفاوضات (المباشرة وغير المباشرة)، ما داموا متيقنين أن أي موقف عربي متصلب وجاد سيضطر إدارة الرئيس أوباما وحكومة نتانياهو لأن تعيدا النظر في مواقفهما، خاصة وأن الأولى تخشى خشية جدية من تفاقم الأمور في الشرق الأوسط، ومن احتمال نكسة لها ولسياستها في العراق، وأن الثانية تخشى من تفكيكها من الداخل، فضلاً عن خشيتها من انفضاض الرأي العام الإسرائيلي عن تأييدها إذا تأكد من أخطار سياستها!
كان بإمكان هذه المفاوضات غير المباشرة، إذن، أن تضع المفاوضين على بداية طريق التفاوض الجدي والمتكافئ، لو رافقها استخدام العرب ما يملكون من أوراق ضغط وتهديد، ولوحوا بتفعيل إمكانياتهم السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، مما يضطر الإدارة الأميركية لأن تخشى من الآتي.
والإدارة الإسرائيلية لأن تأخذ الأمور على محمل الجد، وتتخلى ولو جزئياً عن استخفافها بالعرب وحقوقهم وإمكانياتهم. ليس الخطأ في مبدأ عقد المفاوضات غير المباشرة، وإنما في عدم إيجاد الظروف الموضوعية لتحقيق جدواها ونجاحها، والاستفادة من الإمكانيات العربية جميعها.
أما في ظروف الواقع القائم، فمن المتوقع أن تتحول هذه المفاوضات إلى مباراة كلامية وإلى لغو لا طائل منه، لأن السلطة الفلسطينية ستكون خلالها كساع إلى الهيجا بدون سلاح.
كاتب سوري
