قبل ألفين وخمسمئة عام، كان طموح الإمبراطورية الفارسية أكبر من رقعتها الشاسعة، وكانت تنظر إلى مدن مثل إسبارطة وأثينا، على أنهما مدينتان مارقتان ويجب إرجاعهما إلى سيطرة الإمبراطورية.

فبدأت جيوش الفرس العتيقة تزحف على مدن الغرب الفتية، عندها لم يجد حكام المدينتنين، اللتين كانتا في تناحر دائم، غير الاتحاد لمواجهة ذلك العدو العملاق. وبعد عدة معارك ضارية وهزائم دامية تكبّدها الإغريق، استطاعت بسالة فرسانهم إلحاق هزيمة نكراء بالجيش الفارسي، وتحطيم أسطوله البحري الذي كان يعد أسطورة في ذلك الزمن.

عندما عادت الجيوش الإغريقية إلى مدنها، كان الفقر يخيم على المجتمعات، فلقد قضت الحرب على كثير من رجالهم، وأفلست خزائنهم.

كانت الحالة في إسبارطة على وجه الخصوص سيئة جداً، فرجالها لم يكونوا أهل تجارة أو صناعة، وكل ما كانوا يقومون به من أعمال في حياتهم، يصب في مصلحة التسلح والاستعداد للحروب والمعارك، شأنهم في ذلك شأن أقرانهم الأثينيين، إلا أن الأخيرين هؤلاء كانوا أصحاب حنكة ودهاء في السياسة والاقتصاد، أكثر منهم في الحرب.

فلقد قاموا بتحويل الأسطول البحري العسكري بعد الحرب، إلى أسطول تجاري، وبدأوا بنقل البضائع فيه ومخر عباب البحر الأبيض المتوسط، لتتحول أثينا بعد مدة إلى مدينة تجارية ذات شأن، بعكس إسبارطة التي ما فتئت تنتقل من حرب إلى أخرى، حتى بدأ اسمها يبهت من كتب التاريخ، ليحل محلّه اسم أثينا، منارة الحكمة والفلسفة.

عندما نقرأ تاريخ الفلسفة لا نكاد نجد اسم فيلسوف من إسبارطة، على الرغم من أنها تغلّبت على أثينا وفرضت عليها، لفترة من الزمن، نظام الحكم المسمّى بـ «الأليغاركية».

وتعني حكم الأقلية، في محاولة منها لسحق الروح الديمقراطية في تلك المدينة العظيمة. إلا أن أثينا تحولت على رغم ذلك، إلى مركز تجاري عالمي، وتهيّأ فيها الجو العام لشروق الحكمة الإغريقية التي مازالت تعد أساس الفلسفة الإنسانية.

حيث ظهر سقراط وأفلاطون وزينوفون وأرسطو وغيرهم من فلاسفة وحكماء ما زالت كلماتهم وأفكارهم محل نقاش وجدل بين الفلاسفة حتى اليوم. لم يكن مجتمع أثينا إبان ظهور هؤلاء الفلاسفة مجتمعاً فقيراً، وعلى الرغم من أنّه كان يضج بالتغييرات السياسية والفكرية أيام سقراط، إلا أن الحكمة الإغريقية نشأت في أكناف مجتمع ديمقراطي غني.

فأرسطو على سبيل المثال، الذي كان مربي الإسكندر الأكبر، خصص له سيّده ألف رجل يجوبون العالم ويأتون له بكل ما هو غريب من حيوان أو نبات، لكي يعاينه ويفحصه ثم يضع ملاحظاته واكتشافاته حوله، مما فتح أمامه أبواباً جديدة في الفلسفة الطبيعية، لم يطرقها من سبقه من الفلاسفة.

وكما يقول «ويل ديورانت» في سياق تفصيل حياة أرسطو في كتابه قصة الفلسفة: «استقر أرسطو أخيراً بين حدائق الأكاديمية الهادئة»، ويعني بها أكاديمية أفلاطون التي كان يدرّس فيها الفلسفة والحكمة.

وفي التاريخ الإسلامي لم تبرز الاختراعات العلمية والإنتاج الأدبي المتراكم، إلا بعد أن اشتد اقتصاد الدولة ونما، ناهيك عن الاستقرار السياسي وتوفر البنية التحتية.

ولا نكاد نرى مجموعة علماء أو أدباء سطّروا أسماءهم في كتب التاريخ، إلا وكانوا يرفلون في مجتمع مزدهر أو في حقبة زمنية غنية، توفرت فيها مقومات الإنتاج الأدبي والفكري، كالأصمعي مثلاً، الذي نشأ مع مجموعة من الأدباء والشعراء في كنف الرشيد، وساهموا مساهمة جمّة في الأدب العربي.

وفي نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، رفع الإيطاليون شعاراً هو «يجب أن يتقدم الطعام على الفلسفة، والثراء على الفن»، فعملوا على إزالة القيود أمام التجارة الداخلية، وقاموا بتأمين البضائع التي تمر من خلال مدنهم التي تتوسط خط التجارة آنذاك، وقللوا الضرائب على التجار، بل ذهبوا إلى توفير خدمات كالضيافة والمبيت وغيرها، للتجار الذين يستخدمون المدن الإيطالية لشحن بضائعهم أو بيعها فيها.

فازدهرت التجارة ونمت الصناعة، وأصبحت مدن مثل البندقية إحدى أهم المدن الصناعية في العالم، وفلورنسا إحدى أهم المدن التجارية، ومن ثمّ وجد الرسامون والنحاتون بيئة جاهزة وغنية، لشراء بضاعتهم التي يدعونها «فناً»، لتتحول إلى تجارة حقيقية لا تبور مع تقادم الزمن.

انظر حولك، وستجد أن المدن التي تباع فيها ملايين الكتب والروايات سنوياً، هي مدن غنية وذات اقتصاد متنامٍ. ابحث عن المتاحف العالمية، ستجدها تشرئب إلى جانب البنوك المالية والمراكز التجارية. ابحث عن المسارح، وستجدها غالباً في الأماكن المزدحمة من المدن الكبيرة.

تمشي في لندن أو في نيويورك أو في باريس أو في طوكيو، فتجد متحفاً هنا، ويفاجئك مسرح هناك، ولا تكاد تنعطف في شارع ما إلا وترى مكتبة عند كل زاوية، فتتساءل كالعادة؛ لماذا لا نجد هذا في مدننا العربية؟

الجواب هو أننا في المدن العربية نحاول أن نبيع الرواية لمن لا يستطيع شراء دواء لأطفاله، وندعو من يعمل في ثلاث وظائف في اليوم ليسد قوت أسرته، لكي يحضر مسرحية في المساء.

أما أولئك الذين يعيشون في ترف ونعيم، فثقافتهم البسيطة تقول لهم ان المتاحف مضيعة لوقتهم الثمين، الذي يقضونه في سوق الأسهم أو في سوق العقار.

قبل أن نبني متحفاً، علينا أن نصلح الطريق المؤدية إليه، وقبل أن نبني مكتبة، علينا أن نوفر الكهرباء التي ستضيئها، وقبل أن نبني داراً للأوبرا، علينا أن نبني دُوراً لأفراد المجتمع. يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: «تكون الفلسفة أكثر فائدة، إذا بنيت على الحقيقة».

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com